أنهم عنوا بذلك أن القرآن كان يشتمل على الغريب غير المفهوم بداهة على سبيل المثال فإن كلمة تحت استعملت في مواضع أخرى في القرآن، وليس في سورة مريم فقط وهى في كل هذه المواضع تحمل معنى يخالف معنى الكلمة في النبطية. ثم إن علماء اللغات الذين لاحظوا هذا التماثل الحرفى أو الصوتى بين الكلمتين لم يقدموا لنا دليلا على جواز استعارة العربية لهذه الكلمة أو تلك، وتبقى نقطة أخرى مهمة ينبغى أن لا تفوتنا ونحن على طريق الخروج من هذا الموضوع وهى أنه، كيف يجوز لنا أن نفسر كلمة = تحت = بمعنيين مختلفين، وهما مذكورتان في آية واحدة وسياق واحد وقرينة واحدة:
{فَنََادََاهََا مِنْ تَحْتِهََا أَلََّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} (24) (مريم: 24) .
فكلمة = تحت = في الآية تفيد التحتية في المكان في كلا الموضعين وهو كقوله تعالى حكاية عن فرعون: {وَهََذِهِ الْأَنْهََارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} (الزخرف: 51) .
وكلمة = عير = قالوا هى الحمار في العبرية وهى في العربية الجمل، والقرآن أدق في استعمال كلمة = عير =، إذ استعملها بمعنى الجمل، وهو ما يناسب الإسرائيليين البدو الرّحّل أما كلمة = حمار = التى فضلها كتّاب العهد القديم كبديل للكلمة = عير = فخطأ تاريخى لأن = الحمار = حيوان حضرى، وليس هو من حيوانات الصحراء [1] .
وكلمة = يم = ليست إلا عربية من = يمّمت، وتيمّمت = أى قصدت [2] ومنها = التيمم =، وأطلق اليم على الجهة والناحية واليمّة بمعنى الناحية، وربما سمى النيل باليم لهذا المعنى لأن المصريين كانوا يسكنون على ضفافه، ويؤمونه أى يقصدونه دائما، فمنه ماؤهم، ومنه زرعهم، ومنه مرعاهم وبعض طعامهم وكل مظاهر حياتهم إنما ارتبطت بالنيل ودارت حوله ولعل ذلك مما اتفقت في جرسه أو بعض حروفه بعض اللغات الإنسانية فكلمة = = = بارك = مثلا تعنى حديقة، أو موقف للسيارات في الإنجليزية وهى في العربية تعنى برك الجمال، أو المكان الذى تبرك فيه الجمال وكلمة تعنى = قريب = في اللغة الإنجليزية، وهى لو كتبت حسب رسمها الصوتى بالحروف العربية، تعنى عبودية أو ضغط، يقال خلع نير الاستعمار وكلمة = = = جب = بضم الجيم القحطانية تعنى = بئر = في العربية، ولكنها تعنى = وظيفة = بالإنجليزية وكلمة = = = فان = تعنى في العربية زائل أو منته، وفى الإنجليزية تعنى صوتيا = مروحة = وكلمة = = = كل = معناها في الإنجليزية = اقتل =، وفى العربية = فوض أمرك إلى الله = وهذا كثير لو تتبع في اللغات الأخرى.
(1) ابن حيان. البحر المحيط ج 5ص 326.
(2) الراغب. مفردات 893.