مشابهة الحوادث، كما قرر القرآن عصمة الأنبياء، وسلامة الكتاب العزيز من التحريف، وجاء القرآن كذلك بالقول الفصل في عملية الخلق والتدبير، والقضاء والتقدير، فقد احترم الإسلام العقل فخاطبه بأرقى لغة، وحاوره بأبلغ أسلوب وأعمقه، وجادله بالتى هى أحسن وحاجه بالبراهين، ولم يكلفه المستحيل ولم يقبل منه الشطح الباطل أو التعطيل الكاذب أو الاستغراق في الخيال والأوهام والبعد عن الواقع المعاش. لقد جعل الإسلام استنباط العقل السليم دليلا صالحا وبرهانا واضحا وحجة قاطعة إلى جانب الوحى، كما جعل العقل مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب. فمن أين يا ترى تأتى تلك الخرافات إلى القرآن؟ وأين موضعها يا ترى من كتاب اعتبر العلم آيته والعقل قاعدته وحجته وأعلن أن طلب العلم فريضة، وساوى بين مداد العلماء ودماء الشهداء، وحذر من اتباع الظن أو القول بغير علم أو التصديق دون برهان أو التسليم بشيء دون حجة.
إن هذا الموضوع واسع لا يمكن أن تستوفيه هذه الدراسة ولكننا سوف نقدم فيه قولا مختصرا نرد به على الكاتب، ونبين للقارئ كذلك خطأه فيما ذهب إليه إننا لن نحتج على الكاتب بما جاء في كتبهم اليهودية والنصرانية من تجسيد وتشبيه وصل إلى حد إثبات الجسم والجهة والمساحة والذراع والإصبع، والعين والحدقة، والنقلة والحركة لله تعالى، وإلى تمثيل الجسم والجهة والمساحة والذراع والإصبع، والعين والحدقة، والنقلة والحركة لله تعالى، وإلى تمثيل الله بالشيخ العجوز، وبالنار الحطوم وغير ذلك مما تكتظ به كتب اليهود، ولن نحتج عليه كذلك بما ورد في كتب النصارى من تثليث الذات الواحدة أى جعل الله ثلاثة، أب وابن وروح قدس، ولا بخرافة التجسد، وابن الله الوحيد، ولا بما يعتقدون من نزول الله وتجسده وتحمله للسب واللعن والبصق، وبموته على الصليب ثم قيامته من بين الأموات وأكله وشربه بعد قيامته ثم صعوده وجلوسه على يمين الرب [1] ، وغير ذلك الأنماط الخرافية والأسطورية القديمة التي هي ظاهرة مشتركة بين النصرانية وديانات مصر القديمة وديانات الهند. وما قلناه في موضوع الله والعرش والتدبير نقوله أيضا بالنسبة لقصص الأنبياء وقصة الطوفان والخلق، ومعصية إبليس وطرده من الجنة وفى خروج آدم وحواء منها، تلك القصص التى أشار إليها ويلش نفسه.
من بين ما اعتبره المعارض من قبيل الخرافات قذف الشياطين التى حاولت استراق السمع كما جاء في قوله تعالى: {وَحَفِظْنََاهََا مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ (17) إِلََّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ مُبِينٌ} (18) (الحجر: 1817) بشأن ضرب الشياطين.
إذ يعتبر أن هذا العمل خرافة هذا مع أن العلم الحديث قد أثبت حركة النيازك وسقوطها وانفجار بعض الكواكب في الفضاء، وعلى أية حال فإن الله سبحانه وتعالى قد
(1) انظر ابن حزم كتاب الفصل الجزءين الأول والثانى وكتابنا = النصرانية من وجهة النظر الإسلامية = بالإنجليزية، رسالة دكتوراة بالإنجليزية، إكستر، انجلترا 1984، والقرآن والأناجيل للمؤلف. دار الفلاح. القاهرة. 1998م