فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 386

القرآن، وهذا التفريق له معناه، إذ القرآن كلام البارئ، والصوت صوت القارئ ومنه قول أبى موسى الأشعرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد استمع ذات ليلة إليه وهو يقرأ القرآن في بيته، وأبو موسى لا يدرى، فلما أخبره النبى صلى الله عليه وسلم قال: = لو علمت أنك تسمع (أى قراءتي للقرآن) لحبرته لك تحبيرا =. أى زينته واجتهدت في تجويده والتغنى به [1] . أما القرآن نظمه، ونقطه وحروفه، فكلام الله غير مخلوق هذا هو اعتقاد المسلمين في القرآن، كما لاحظ الكاتب بحق. كان علماء الكلام وهذا أمر طبيعى جدا قد بدءوا يناقشون مسألة طبيعة القرآن، هل هو قديم باعتباره كلام الله تعالى الذى نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم هو مخلوق، باعتبار دخوله عالم الكون والفساد؟ بدأ ذلك النقاش، إبان خلافة هارون الرشيد، واشتد الجدل فيه، في خلافة المأمون العباسى وبعده، حيث أعلن المأمون في 212هـ / 833م، تحت تأثير آراء المعتزلة الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، وليس قديما وكان هدف المأمون من وراء هذا التصريح، في الأغلب، سياسيا لا دينيا. ولذلك فقد صار مجالا للجدل الشديد، إذ هبّ الفقهاء، على عكس ما قدّر المأمون ودبّر فأنكروا القول بخلق القرآن، وقادوا حملة حامية ضده، وصلت إلى حد تكفير كل من قال بخلق القرآن هذا مع أن المسألة لم تعد أن تكون نقاشا عقليا، وعملا فكريا، لا يذهب البتّة بعقيدة معتقديه.

بدأت المحنة منذ عام 218هـ / 833م، واستمرت عشرين عاما، وكان بطلها ومجاهدها الأول من العلماء، هو الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه فقد وقف في وجه الخصوم لم ينحن، ولم ينثن وقد انفض الناس عنه، خوفا أو تقية وقد عبر الإمام أحمد عن هذا بقوله، رواية عن ابنه عبد الله: = الحمد لله الذى جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة

(1) المصدر نفسه 29، 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت