الصفحة 155 من 194

الصحيح الأول أن المشركين لا يزالون يقاتلون بنص الآية ... {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} فطالما بقي شرك ظاهر في الأرض بقي قتال المسلمين و بقي أذية المسلمين كما ذكرنا في معني الفتنة فوضع الحرب أوزارها هو بانتهاء وجود الشرك ظاهرا و هذا إنما يكون في زمن المسيح - صلى الله عليه وسلم - بل في زمن المسيح لا يقبل من المشركين شئ إلا الإسلام فإن المسيح - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل حكم الأرض بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال عليه الصلاة و السلام يوشك أن ينزل فيكم بن مريم حكما عدلا و أمام مقسطا فيكسر الصليب و يقتل الخنزير و يضع الجزية فتشريع الجزية في الإسلام ممتد إلي غاية محددة من الآن و هي نزول المسيح - صلى الله عليه وسلم - ليقتل الدجال وأعوانه من اليهود يقتلهم المسلمون معه و يصير أمام الأمة الإسلامية و الحاكم في الأرض كلها و عندها يؤمن أهل الكتاب و من لم يؤمن به قتل و لا يترك يدفع الجزية كما كان قال تعالي ذلك ولو يشاء الله لأنتصر منهم يبين عز و جل قدرته في أن ينتصر من الكفار بأشياء من عنده و خوارق من عنده وهو سبحانه و تعالي قادر علي ذلك ولكنه يريد عز وجل أن يبتلي بعض الناس ببعض ولكن ليبلوا بعضكم ببعض لأن الابتلاء بالخير و الشر سنته سبحانه و تعالي (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) و لأن الابتلاء يظهر أنواع من الخيرات لا تحصل بدونه و لأن سنة الله عز و جل في المدافعة في دفع الناس بعضهم ببعض يحصل من ورائها من زيادة الإيمان و التسليم ما لا يوجد في غير ذلك و من هداية من شاء الله عز و جل أن يهتدي ما لا يمكن أن يحصل بغير وجود المدافعة و غير وجود المقاتلة و غير وجود الصراع بين الحق و الباطل قال تعالي {وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} ثم بين سبحانه و تعالي عاقبة شهداء المسلمين فقال {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} هذا هذه الأعمال التي وقعت لن تضل و هذا فضل الله لن تضل في الدنيا فإن المسيرة ستستمر بعد قتلهم و هم قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا و سوف تكون فلم يذهب دم شهيد هدرا و إنما كان خطوة علي الطريق و إنما كان لبنة في البناء و إنما كان عمله الذي سعي إليه عملا محفوظا يبني عليه ما بعده إن ذهب هو لم يذهب دينه و لم تذهب دعوته ولم تذهب عقيدته و مبادئه و عمله الذي عمل لا يضيع هدرا في الدنيا و ذلك انه يريد أن يعلوا الإسلام و سوف يعلوا لن يذهب هدرا في الآخرة لأن الله لا يضيعه بل يعطيه أعلي المنازل سبحانه و تعالي و القراءة الاخري (و الذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم و يصلح بالهم) فالمقاتلين في سبيل الله لن يضيع جهدهم هباء منثورا لا في الدنيا ولا في الآخرة بفضله سبحانه و تعالي و هذا أمر يجب أن يثق به كل مؤمن و أن يستحضره دائما فإن الجهاد في سبيل الله عز و جل و القتال في سبيله لا يضيع بإذن الله و سيهديهم علي قراءة و الذين قتلوا كيف تكون الهداية؟ تكون الهداية في الآخرة الهداية إلي منازلهم في الجنة و يدل علي ذلك {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ - وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ -} فرغم إنهم لم يسكنوا هذه المنازل من قبل فإن أحدهم أدري بمنزله من أحدكم بمنزله إذا أنصرف من الجمعة هداهم الله اليها و هذه الهداية أتم و آخر أنواع الهداية و أعلاها قدرا إذ بها يتنعمون أعظم أنواع النعيم و أما علي قراءة و الذين قاتلوا في سبيل الله فالمعني واضح و ذلك أن الهداية مطلوبة في الدنيا و ذلك أن الجهاد من أسباب الهداية و القتال في سبيل الله عز و جل و بذل كل جهد لإعلاء كلمة الدين من أسباب النور الذي يقذفه الله في القلوب و من أسباب زيادة الإيمان و من أسباب زيادة الإسلام كما قال عز و جل {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا -} و لذا نجد الإيمان يضعف عند من لا يقاوم الشر ولا يأمر بمعروف ولا ينهي عن المنكر و أن كان يتعبد بأنواع العبادات من صلاة و صيام و نفقة و لكنه إذا لم يتعبد بمقاومة الشر و السوء و الفساد في الأرض و إذا لم يتعبد ببذل كل جهد للصراع مع الباطل يضعف إيمانه نسأل الله عز و جل أن يزيدنا إيمانا و يقينا و علي الإنسان أن يستعمل كل ما يقدر عليه من أنواع الجهاد ليجد زيادة الإيمان و لذلك من أسباب الهداية و من أسباب التوفير و النور الذي يقذف في القلوب و البصيرة و حب الخير و الإقبال عليه أن يكون الإنسان باذلا في سبيل الله مقاتلا في سبيله معليا لكملته ليصلح الله شأنه كله في نفسه و في أهله و في ماله و لن يضيع الله عز و جل من أنفق عمره في سبيل الله عز و جل قال (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) ذكرنا التفسير الأول وهو يدخلهم الجنة عرفها لهم عرفهم بمنازلهم فيها و التفسير الثاني عرفها جعل لها عرفا يجدونه قبل أن يدخلوها فضلا عن إذا ما دخلوها و العرف الرائحة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"و أن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا"من مسيرة خمسمائة عام كما قال عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت