جلده فقط كيف يكون مؤلما فيمشط بأمشاط الحديد يعني مشط حديد يمشط ما بين عظمه من لحم و عصب ما يصرفه ذلك عن دينه لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم و عصب ما يصرفه عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلي حضر موت ما يخاف إلا الله و الذئب علي غنمه هذا حديث صحيح و في رواية و لكنكم تستعجلون و لم تكن هذه البشارات مخفية مستورة لم تكن هذه البشارات مخفية مستورة بل كانت فاشية مكشوفة يعلمها الكفرة كما كان يعلمها المسلمون حتى كان الأسود بن المطلب و جلسائه إذا رأوه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تغامزوا بهم و قالوا قد جاءكم ملوك الأرض سيغلبون علي ملوك كسري و قيصر ثم يصفرون و يصفقون و سبحان الله قد كان ما كان يستهزئ به المشركون وأمام هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا مع ما فيه من الرجاء الصالح الكبير البالغ إلي النهاية في الفوز بالجنة كان الصحابة يرون أن الاضطهادات التي تتوالي عليهم من كل جانب و المصائب التي تحيط بهم من كل الأرجاء ليست إلا سحابة صيف عن قليل تقشع هذا و لم يزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يغذي أرواحهم برغائب الأيمان و يزكي نفوسهم بتعليم الحكمة و القران و يربيهم تربية دقيقة عميقة يحدوا بنفوسهم إلي منازل سمو الروح و نقاء القلب و نظافة الخلق و التحرر من سلطان الماديات و المقاومة للشهوات و النزوع إلي رب الأرض و السموات و يزكي جمرة قلوبهم كأن فيها شئ مشتعل من الحرارة ويخرجهم من الظلمات إلي النور يوقظ يعني نور الأيمان في القلوب يقول و يأخذهم بالصبر علي الاذي و الصفح الجميل و قهر النفس فازدادوا رسوخ في الدين و عزوفا عن الشهوات و تفانيا في سبيل المرضاة مرضاة الله و حنينا إلي الجنة و حرصا علي العلم و فقها في الدين و محاسبة للنفس و قهرا للنزعات و غلبة علي العواطف و سيطرة يعني علي الثائرات و الهائجات أي في النفوس النفس أحيانا تثور و تهيج لأمور معينة فيسيطر الإنسان المؤمن عليها و تقيدا بالصبر و الهدوء و الوقار قال
المرحلة الثالثة دعوة الإسلام خارج مكة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الطائف في شوال سنة 10 من النبوة خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي الطائف وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلا سارها ماشيا علي قدميه جيئة و ذهابا و معه مولاه زيد ابن حارثة و كان كلما مر علي قبيلة في الطريق دعاهم إلي الإسلام فلم تجب إليه واحدة منها فلما انتهي إلي الطائف عمد ثلاثة أخوة من رؤساء ثقيف وهم عبد يالين و مسعود و حبيب أبناء عمرو ابن عمير الثقفي مسعود ابن عمرو الثقفي و حبيب ابن عمرو الثقفي فجلس إليهم و دعاهم إلي الله و إلي نصرة الإسلام فقال احدهم و هو يمرط ثياب الكعبة يمزقها ربما كان عنده شئ من الثياب التي تكسي بها الكعبة قال أن كان الله أرسلك و قال الأخر أما وجد الله احد غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا أن كنت رسولا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام و لأن كنت تكذب علي الله ما ينبغي أن أكلمك فقام عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و قال لهم إذ فعلتم ما فعلتم فأكتموا عني يعني لا تخبروا باني قد أتيت أليكم ولا حول ولا قوة إلا بالله يعني قد تكون الدعوة بأحسن الأساليب و أفضل داعية و مع ذلك لا تثمر الثمرة المطلوبة بل تثمر عكسها و يترتب عليها فيما يبدوا من أنواع مزيد من الاذي و المفاسد من جهة انتشار هذا الخبر عند الكفار سيزيدهم فرحا و شماتة و العياذ بالله قال و أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع احد من أشرافهم إلا جاءه و كلمه فقالوا اخرج من بلادنا و أغروا به سفهائهم السفلة و المنحطين و الذين لا يفهمون إلا السخرية بالناس و العياذ بالله فلما أراد الخروج تبعه سفهائهم و عبيدهم يسبونه و يصيحون به حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له صما تين أي صفين و جعلوا يرمونه بالحجارة و بكلمات من السفه و رجموا عراقيبه و العرقوب اللي هو مؤخر القدم حتى اختضبت نعلاه بالدماء دمائه عليه الصلاة و السلام و كان زيد ابن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه جروح في رأسه و لم يزل به السفهاء حتى ألجأ وه إلي حائط لعتبة و شيبة ابني ربيعة علي ثلاثة أميال من الطائف فلما التجأ إليه رجعوا عنه و أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي حبلة من عنب فجلس تحت ظلها إلي جدار فلما جلس إليه و اطمأن دعا بالدعاء المشهور الذي يدل علي امتلاء قلبه كآبة وحزنا مما لقي من الشدة و أسفا علي انه لم يؤمن به احد قال (( اللهم أليك اشكوا ضعف قوتي و قلة حيلتي و هواني علي الناس يا ارحم الراحمين أنت رب المستضعفين و أنت ربي إلي من تكلني إلي بعيد يتجهمني أم إلي عدو ملكته أمري أن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي و لكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبي حتى ترضي ولا حول و لا قوة إلي بك ) )فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما يبقي بينه و بينهم من قريش أصلا فدعوا غلاما لهم نصرانيا يقال له عداس و قالا له خذ قطفا من هذا العنب و اذهب به إلي هذا الرجل فلما وضعاه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مد يده إليه قائلا بسم الله ثم