ص 19 / أ
فقد ثبت الجهل ونُفي العلم ، وإن كان بجهل فالجهل لا يقابل بمثله إذ لا تثبت حجة ، وإن قلتم لا ندري فاعلموا أن الناس لم يزالوا على تصديق الرؤيا وتأويلها في الجاهلية والإسلام وما خلا في الزمن السالف قبلهم خلا صنف من الزنادقة فإنهم يقولون بالدهر ، وقوم من قدماء الأطباء إلا أهل الصلاح منهم فإنهم بالرؤيا يصدقون ، ولو لم يكن ذلك كذلك لما قصّ الله على أهل الكتاب من نبأ يوسف عليه السلام في تأويل رؤياه ، وما وصل إليهم من الناقلين عن الأنبياء عليهم السلام .
وأما التكذيب بها فيما نقلوه عن القدماء فإنهم كانوا يقولون أن النائم يرى في المنام ما يغلب عليه من الطبائع الأربعة .
فإن غلبت عليه السودَاء رأى الأموات والأحداث والسواد والأموال والأفراح . وإن غلبت عليه الصفراء رأى النار والمصابيح والدم والمعصفرات . وإن غلبت عليه الدم رأى السراب والرياحين والغدق والمزامير ، وما كان مبلغ علمه أن يؤمن بشيء وهو كافر ، ويقرّ بأمر وهو ينكره فقد كفاك نفسه وقطع أسباب الخصام بينك وبينه ثم نحن نعلم أن الرؤيا إنما تكون من غالب الطبائع ، ومنها ما يكون