المسجد إن السلطان معه أموال للصدقة فاكتبوا الذين عندكم من المحتاجين واحضروهم وكل من حضر يأخذ نصيبه وكان السلطان يتأمل الذين يحضرون فلم يجد فيهم أحدًا صفته صفة الشخصين اللذين رآهما في المنام.
فقال السلطان هل بقي أحد لم يأخذ فقالوا لم يبق إلا رجلان مغربيان لا يتناولان شيئًا وهما صالحان فقال علي بهما فأحضرا فاذا هما الرجلان اللذان أشار إليهما صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لهما من أين أنتما؟ فقالا أننا من المغرب جئنا حاجين واخترنا المجاورة هذا العام فقال لهما أصدقاني وقررهما فأصرا على كلامهما فتركهما وذهب لمحل سكناهما في الرباط مع بعض أهل المدينة فوجدوا مالًا كثيرًا ومصحفين وكتبًا فوق الرف ولم يجدوا شيئًا آخر وجعل السلطان يطوف بالمحل ثم ألهم الله السلطان نور الدين فرفع خسفة في المحل فوجد تحتها لوحا من الخشب فرفعه فوجد السرداب محفورًا ومتجها للحجرة الشريفة ومخترقا جدار المسجد فذهل أهل المدينة وكانوا يعتقدون فيهما الصلاح والتقوى فضربهما السلطان ضربًا مبرحًا شديدًا فاعترفا أنهما نصرانيان بعثهما ملوك النصارى في زي حجاج مغاربة واملوها بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في إخراج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من قبره ونقله لبلادهم فلما ظهر حالهما واعترفا بجريمتهما أمر بضرب عنقهما عند الشباك في شرقي الحجرة الشريفة ثم أحرقا آخر النهار بالنار.
ثم أمر السلطان نور الدين بحفر خندق حول الحجرة إلى الماء وأمر بإحضار رصاص كثير وأذيب وصب في الخندق حتى ملأه ثم عاد إلى الشام.
روى القصة جمال الدين الأسنوي وجمال الدين المطري ونقل عنهما السيد السمهودي كما نقل ذلك السيد البرزنجي ولا نستبعد حدوث ذلك فلو نسب لأحد السلاطين أو لأحد الملوك من المسلمين وقتئذ لقلنا أن التنافس والتناحر حدى بهم لتشويه سمعة من ينسب إليه ذلك ثم ينقله المؤرخون الذين لا يعتنون بالتحقيق والتمحيص كأنما هي حقائق ... أما وقد نسب للنصارى فقد لا يستنكر على أن الخبر لم يذكر ملوك النصارى الذين فعلوا هذا وربما أنه لم يكن في الإمكان معرفة مثل هذا السر ولو ذكره المجرمان الاثيمان لسجله المؤرخون مع…