فهرس الكتاب
وإن تشاحوا في استيفاء المستوفي قتل بالأول وللثاني الدية فإن سقط قصاص الأول فلأولياء الثاني استيفاؤه ويستوفى القصاص بالسيف في العنق ولا يمثل به إلا أن يفعل شيئا فيفعل به مثله
ـــــــ
للقصاص, وفي مسألتنا ينعكس هذا المعنى فإنه إذا قتل واحدا وعلم أن القصاص واجب عليه وأنه لا يزداد بزيادة القتل لهما فأدى إلى قتل من يريد قتله لزوال الزاجر عنه فافترقا.
مسألة:"فإن تشاحوا في المستوفي"أولا قدم الأول لأن حقه أسبق وصار الآخر إلى الدية لفوات المحل أشبه ما لو مات فإنه يصار إلى الدية فإن كان قتلهم دفعة واحدة أقرع بينهم فيقدم من تقع له القرعة لتساوي حقوقهم وكذلك لو قتلهم متفرقا وأشكل.
مسألة:"فإن سقط قصاص الأول"إما بأن عفا مطلقا أو اختار الدية"فلأولياء الثاني استيفاؤه"لأنه حقهم فكان لهم استيفاؤه كما لو لم يكن قتل غيره.
مسألة:"ويستوفى القصاص بالسيف في العنق ولا يمثل به إلا أن يفعل شيئا فيفعل به مثله". أما إذا قتله فإن القصاص يستوفى بالسيف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا قود إلا بالسيف". رواه ابن ماجه1. فأما إن كان قد قطع يدي شخص ورجليه ثم ضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه ففيه روايتان: إحداهما لا يستوفى منه إلا بالسيف في العنق بدليل الخبر؛ ولأن القصاص أحد بدلي النفس فيدخل الطرف في حكم الجملة كالدية فإنه لو صار الأمر إلى الدية لم تجب إلا دية النفس ولأن القصد من القصاص في النفس تعطيل الكل وإتلاف الجملة وقد أمكن هذا بضرب العنق فلا يجوز تعديته بإتلاف أطرافه كما لو قتله بسيف كال فإنه لا يقتله بمثله, والرواية الأخرى قال: إنه لأهل أن يفعل به كما فعل يعني أن يقطع أطرافه ثم يقتله لقوله سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} 2, وقوله سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 3؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رضخ رأس يهودي لرضخه رأس جارية بين حجرين4, وقال الله سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعين بالعين} 5, وهذا قد قلع عينه فيجب أن تقلع عينه للآية, وقال عليه السلام:"من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه"؛ لأن القصاص موضوع على المماثلة ولفظه مشعر به فيجب أن يستوفى منه مثل ما فعل كما لو ضرب العنق آخر غيره فأما حديث:"لا قود إلا بالسيف"1. فقد قال الإمام أحمد: إسناده ليس بجيد.
ـــــــ
1 -رواه ابن ماجه في الديات: حديث رقم 2667, 2668.
2 -سورة النحل: الآية 126.
3 -سورة البقرة: الآية 194.
4 -سبق تخريجه.
5 -سورة المائدة: الآية 45.