فهرس الكتاب
ومن شرطه أن يكون رجلا حرا مسلما سميعا بصيرا متكلما عدلا عالما ولا يجوز له أن يقبل رشوة
ولا هدية ممن لم يكن يهديه إليه
ـــــــ
مسألة:"ومن شرطه أن يكون رجلا حرا مسلما سميعا بصيرا متكلما عدلا عالما"فهي ثمانية شروط: الأول: كونه رجلا فتجتمع الذكورية والبلوغ؛ لأن الصبي لا قول له والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلا لحضور الرجال ومحافل الخصوم.
الثاني: أن يكون حرا لأن ذلك من أوصاف الكمال ولأن العبد مختلف في قبول شهادته. الثالث: أن يكون مسلما لأن الكفر ينافي العدالة ولا خلاف في اعتبار الإسلام. الرابع: أن يكون سميعا يسمع الإقرار من المقر والإنكار من المنكر والشهادة من الشاهد. الخامس: أن يكون بصيرا ليعرف المدعي من المدعى عليه والمقر من المقر له والشاهد من المشهود عليه. السادس: أن يكون متكلما لينطق بالفصل بين الخصوم. السابع: أن يكون عدلا فلا يصح أن يكون فاسقا؛ لأنه لا يكون شاهدا فأولى ألا يكون قاضيا. الثامن: أن يكون عالما مجتهدا ليحكم بالعلم؛ لقوله سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 1, ولم يقل بالتقليد وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 2, وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"القضاة ثلاثة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل جار في الحكم فهو في النار". رواه ابن ماجه3؛ ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحاكم أولى.
مسألة:"ولا يجوز له أن يقبل رشوة ولا هدية"وذلك أن الرشوة في الحكم حرام بلا خلاف. قال الله سبحانه: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} 4, قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره: هو الرشوة, وقال مسروق: إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر. وقد روى عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي, قال الترمذي: حديث حسن صحيح5, ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم, ورواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد:"والرائش", والرائش: السفير بينهما؛ ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحق عنه وذلك من أعظم الظلم. قال كعب: الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم.
مسألة:"ولا"يقبل"هدية ممن لم يكن يهدي إليه"يعني قبل ولايته؛ ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوصل إلى ميل الحاكم معه على خصمه. فأما إن كانت بينهما مهاداة متقدمة جاز قبولها منه بعد الولاية لأنها لم تكن من
ـــــــ
1 -سورة المائدة: الآية 49.
2 -سورة النساء: الآية 59.
3 -سبق تخريجه.
4 -سورة المائدة: الآية 42.
5 -رواه الترمذي: في كتاب الأحكام: ب 9.