عن وفاء الدين.
فلما أرسل الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين العظيم منع هذه العادات الجاهلية، وجعل للدين أهميته وأمر بالمسارعة في إبراء الذمة منه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مطل الغني ظلم ... » متفق عليه [1] .
والمقصود بالغني في هذا الحديث: أي مطل المدين الغني ظلم منه للدائن، والظلم ظلمات يوم القيامة.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بداية الهجرة إلى المدينة لا يصلي على من يموت وعليه دين لم يخلف له قضاء؛ فمن الأحاديث التي وردت في ذلك حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أُتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه؛ فإن قيل: عليه دين؛ كفَّ عن الصلاة عليه، وإن قيل: ليس عليه دين، صلى عليه [2] .
وعند تأملنا للسببين السابقين اللذين هما من أهم أسباب الشراء بطريق التقسيط ننبه على ما يلي:
1 -الأفضل بالنسبة للسبب الأول أن يكون المشتري مقتصرًا على السلع الضرورية والحاجية التي لا يمكن تأجيلها إلى حين القدرة على ثمنها.
أما شراء الكماليات والترفيهيات عن طريق التقسيط؛ فإنه من الأمور التي لا تنبغي؛ ففيه إشغال للذمة من جانب في أمور ليست مهمة، وتحمل لهذه الزيادة من جانب آخر من دون مبرر عقلي سليم.
2 -أما السبب الثاني الذي هو أكثر الأسباب؛ فإن الحديث عنه يدخل ضمن الحديث عن بيع التورق وهو: أن يشتري من يحتاج مالًا سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالًا ثم يبيعها على آخر نقدًا [3] .
وقد اختلف العلماء في حكمه فكرهه بعضهم، وأجازه بعضهم، وحرمه آخرون [4] ، فقد ورد أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - قال: «التورق أخيه الربا» [5] .
والذي يظهر أن التورق يجوز بشروط هي:
1 -أن يكون المشتري محتاجًا حاجة حقيقية إلى النقد، فإن لم يكن محتاجًا فلا يجوز له أن يلجأ إلى هذه الطريقة.
فشراء السلعة تقسيطًا ثم بيعها نقدًا؛ لأجل شراء الكماليات التي يمكن أن تؤخر لا يجوز.
2 -أن لا يتمكن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة
(1) صحيح البخاري (3/ 55) ومسلم (3/ 1197) .
(2) رواه الدارقطني (3/ 47) والبيهقي (6/ 73) وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/ 106) .
(3) انظر: شرح منتهى الإرادات (2/ 158) وكشاف القناع (3/ 186) .
(4) انظر: تفصيل هذه الأقوال في بحث: بيع العينة - حمدي الخضيري ص 75 فما بعد.
(5) مجموع فتاوى ابن تيمية (29/ 442) .