ونصحًا، أي: أن يطمئن من قلق المعصية وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها وفرحتها، ويسهل عليه ذلك بأن يعلم أن اللذة والحلاوة والفرحة هي في الظفر بالتوبة وهذا أمر لا يعرفه إلا من ذاق الأمرين وباشر قلبه آثارهما. فالتوبة طمأنينة تقابل ما في المعصية من انزعاج وقلق واضطراب. فإذا اطمأنت من الشك إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الخيانة إلى التوبة النصوح وهي: «أن يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن» [1] . ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكيس، ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات، ومن التيه إلى التواضع، ومن الفتور إلى العمل.
وبذلك فقد باشرت روح الطمأنينة، وأصل ذلك كله ومنشؤه من اليقظة فهي أول مفاتيح الخير.
فالغافل هو بمنزلة النائم بل أسوأ حالًا منه، والعاقل يعلم وعد الله ووعيده، ولا يحجبه الإدراك ويقعده عن ذلك سنة القلب، وهي الغفلة التي رقد فيها وطال، فبيقظته يصحو النائم، ويزجره تنكشف عن العاقل الغفلة؛ استجابة فيها لواعظ الله في قلبه. فبنور اليقظة يرى أنه لو عمل أعمال الجن والإنس من أعمال البر لاحتقرها بالنسبة إلى جنب عظمة الخالق، وما يستحقه بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
(1) دليل الفالحين. هذا قول الكلبي، وأما عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح «أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه» وقال الحسن البصري: «هي أن يكون العبد نادمًا على ما مضى عازمًا على أن لا يعود إليه» .