كَمَا سَنْذُكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَمًا عَظِيمًا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَفَضْلًا جَلِيلًا فَضَّلَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَشَرَفًا كَبِيرًا شَرَّفَهُ بِهِ، وَأَلْهَمَهُ مَنْ أَلْهَمَهُ مِنْ جَلَالَةِ مَوْضِعِهِ مِنْهُ مَا أَلْهَمَهُ إِيَّاهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ [1]
ومنهم من يتنزل من السماء حين يقرأ القرآن، فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ سُورَةَ الْكَهْفِ وَلَهُ دَابَّةٌ مَرْبُوطَةٌ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تَنْفِرُ،فَنَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى سَحَابَةٍ قَدْ غَشِيَتْهُ أوْ ضَبَابَةٍ، فَفَزِعَ، فَذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ: بَيْنَمَا ذَاكَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ فَذَكَرَ لَهُ، فَقَالَ:"اقْرَأْ فُلَانُ فَإِنَّ السَّكِينَةَ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ أَوْ عِنْدَ الْقُرْآنِ" [2]
وعَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدنو، وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:"تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ" [3]
وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرِ، قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، وَانْصَرَفَ وَكَانَ ابْنُهُ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَإِذَا هُوَ مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَقْرَأُ الْبَارِحَةَ وَالْفَرَسُ مَرْبُوطَةٌ إِذَا جَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ"قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ قَرِيبًا فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ عَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"تَدْرِي مَا ذَلِكَ ؟"قَالَ: لَا يَا
(1) - شرح مشكل الآثار - (10 / 370) (4174 ) صحيح
(2) - شعب الإيمان - (4 / 84) (2218 ) وصحيح البخارى- المكنز - (3614 )
(3) - شعب الإيمان - (4 / 84) (2217 ) وصحيح البخارى- المكنز - (5011 ) وصحيح مسلم- المكنز - (1892)
وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز رُؤْيَة آحَاد الْأُمَّة الْمَلَائِكَة . وَفِيهِ فَضِيلَة الْقِرَاءَة وَأَنَّهَا سَبَب نُزُول الرَّحْمَة وَحُضُور الْمَلَائِكَة . وَفِيهِ فَضِيلَة اِسْتِمَاع الْقُرْآن .شرح النووي على مسلم - (3 / 148)