يا ليتني مت قبل هذا الحادث،وكنت شيئا منسيا،تراها تمنت الموت خوفا من أن يظن بها السوء في دينها،أو يقع أحد بسبها في البهتان.
فناداها جبريل من تحتها إذا كانت هي على مكان مرتفع وقيل الذي ناداها هو عيسى الوليد،ناداها بألا تحزني ولا تتألمى.
فهذه آية اللّه الدالة على أن الأمر خارق للعادة،وأن للّه في خلقه شؤونا. فها هو ذا قد جعل لك ربك تحتك نهرا يفيض بالماء بعد أن كان جافا،وحركي جذع النخلة اليابسة تتساقط عليك رطبا جنيا شهيا،أليست هذه أمارات الرضا ؟ ودليلا على أن اللّه معك ولن ينساك يا مريم،فكلي من الرطب واشربى من النهر وقرى عينا،واهدئى بالا،واطمأني نفسا فاللّه معك،وحافظك من الناس،فإن رأيت من الناس أحدا فيه أمارة الاعتراض عليك فلا تكلميه،وقولي: إنى نذرت للرحمن صوما وسكوتا عن الكلام فلن أكلم اليوم إنسانا بل سألكم الملائكة،وأناجى ربي - سبحانه وتعالى - . [1]
وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (12) سورة التحريم.
وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا آخَرَ لِلَّذِينَ آمَنُوا حَالَ مَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ،وَمَا أُوتِيَتْ مِنْ كَرَامَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فاصْطَفَاهَا اللهُ رَبُّهَا،وَأَرْسَلَ إِليهَا مَلَكًا كَرِيمًا مَنْ مَلاَئِكَتِهِ تَمَثَّلَ لَهَا فِي صَورَةِ بَشَرٍ دَخَلَ عَلَيهَا،وَهِيَ فِي خَلْوَتِهَا،فَاسْتَعَاذَتْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهِ،فَبَشَّرَهَا بِأَنَّهَا سَيَكُونُ لَهَا وَلَدٌ يُولَدُ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ،وَيَكُونَ نِبِيًّا كَرِيمًا .وَنَفَخَ فِيهَا المَلَكُ مِنْ رُوحِ اللهِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى،عَلَيْهِ السَّلاَمُ،وَصَدَّقَتْ مَرْيَمُ بِشَرَائِعِ اللهِ،وَبِكُتُبِهِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ،وَكَانَتْ فِي عِدَادِ القَانِتِينَ العَابِدِينَ المُطِيعِينَ للهِ تَعَالَى . [2]
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (2 / 449) والتفسير الوسيط ـ الزحيلى - (2 / 1469)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5119)