قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ مُلَخَّصًا ، وَلَفْظه لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَام عِيسَى بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَة آلِهَة فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّثْلِيث ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} (31) سورة هود، فَنَفَى أَنْ يَكُون مَلَكًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَل ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْخَزَائِن وَعِلْم الْغَيْب ؛ وَأَنْ يَكُون بِصِفَةِ الْمَلَك مِنْ تَرْك الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع ، وَهُوَ مِنْ نَمَط إِنْكَارهمْ أَنْ يُرْسِل اللَّه بَشَرًا مِثْلهمْ فَنَفَى عَنْهُ أَنَّهُ مَلَك ، وَلَا يَسْتَلْزِم ذَلِكَ التَّفْضِيل ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانه لَمَّا وَصَفَ جِبْرِيل وَمُحَمَّدًا ، قَالَ فِي جِبْرِيل {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (40) سورة الحاقة، وَقَالَ فِي حَقّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} (22) سورة التكوير، وَبَيْن الْوَصْفَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيه شَيْطَان فَكَانَ وَصْف جِبْرِيل بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَدْ وَصَفَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِمِثْلِ مَا وَصَفَ بِهِ جِبْرِيل هُنَا وَأَعْظَم مِنْهُ ، وَقَدْ أَفْرَطَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُوء الْأَدَب هُنَا ، وَقَالَ كَلَامًا يَسْتَلْزِم تَنْقِيص الْمَقَام الْمُحَمَّدِيّ ، وَبَالَغَ الْأَئِمَّة فِي الرَّدّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ زَلَّاته الشَّنِيعَة ." [1] "
وقَال ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ نَقْلًا عَنِ الزَّنْدُوسَتِيِّ: أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ أَفْضَل الْخَلِيقَةِ ، وَأَنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - أَفْضَلُهُمْ ، وَأَنَّ أَفْضَل الْخَلاَئِقِ بَعْدَ الأَْنْبِيَاءِ الْمَلاَئِكَةُ الأَْرْبَعَةُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالرُّوحَانِيُّونَ وَرِضْوَانُ وَمَالِكٌ ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الْمَلاَئِكَةِ .
(1) - فتح الباري لابن حجر - (20 / 481)
وانظر:المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (22 / 69) وشعب الإيمان - (1 / 322) (162) وشرح ابن بطال - (20 / 225) ومجموع الفتاوى لابن تيمية - (4 / 356) والبداية والنهاية لابن كثير - موافقة للمطبوع - (1 / 58) وصيد الخاطر - (1 / 22)