وقوله: وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا: المقصود به طائفة أخرى من الملائكة. والناشطات من النّشط،وهو السرعة في العمل،والخفة في أخذ الشيء،ومنه الأنشوطة،للعقدة التي يسهل حلها،ويقال: نشطت الدلو من البئر - من باب ضرب - إذا نزعتها بسرعة وخفة.
أى: وحق الملائكة الذين ينشطون ويسرعون إسراعا شديدا لقبض أرواح المؤمنين بخفة وسهولة ويقولون لهم - على سبيل البشارة والتكريم -: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً.
وقوله - سبحانه -: وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا قسم ثالث بطائفة ثالثة من طوائف الملائكة،التي تسبح في هذا الكون،أى: تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر اللّه - تعالى -،ولتسبيحه،وتحميده،وتكبيره،وتقديسه.
أى: وحق الملائكة الذين يسرعون التنقل في هذا الكون إسراعا شديدا،لتنفيذ ما كلفهم - سبحانه - به،ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص ...
وقوله - تعالى -: فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا المقصود به طائفة رابعة من الملائكة،تسبق غيرها في تنفيذ أمر اللّه - تعالى -،إذ السبق معناه: أن يتجاوز السائر من يسير معه،ويسبقه إلى المكان المقصود الوصول إليه،كما قال - تعالى - في صفات المتقين: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ.
وقوله: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا المقصود به طائفة خامسة من الملائكة،من وظائفهم تدبير شأن الخلائق،وتنظيم أحوالهم بالطريقة التي يأمرهم - سبحانه - بها،فنسبة التدبير إليهم،إنما هي على سبيل المجاز،لأن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقضاء اللّه وتقديره وتدبيره.
والمراد بالأمر: الشأن والغرض المهم،وتنوينه للتعظيم،ونصبه على المفعولية للفظ المدبرات. أى: وحق الملائكة الذين يرتبون شئون الخلائق،وينظمون أمورهم بالطريقة التي يكلفهم - سبحانه - بها. [1]
وقال تعالى: { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) } [القدر:4] .
(1) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم-موافق للمطبوع - (15 / 263) و تفسير الكشاف ج 4 ص 693و تفسير فتح القدير ج 5 ص 372 وتفسير ابن كثير - (18 / 290)