فَاسْتَجَابَ المَلاَئِكَةُ جَمِيعًا لأَمْرِ رَبِّهِمْ،فَسَجَدُوا لآدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ .
وَلَمْ يَشُذَّ عَنِ السُّجُودِ امْتِثَالًا لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ إِبْلِيسُ،فَقَدْ رَفَضَ السُّجودَ حَسَدًا وَكُفْرًا وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا .
فَسَاَلَهُ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ قَائِلًا: مَا لِي،يَا إِبْلِيسُ،لاَ أَرَاكَ مَعَ السَّاجِدِينَ المُمْتَثِلِينَ لأَمْرِي؟
فَقَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ الكَرِيمِ: إِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِلسُّجُودِ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِن طِينٍ يَابِسٍ مُتَغَيِّرِ اللَّوْنِ مُسْوَدِّهِ . فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْلِيسَ بِالخُرُوجِ مِنَ المَنْزِلَةِ التِي كَانَ فِيهَا مِنَ المَلإِ الأَعْلَى،وَهُوَ مَطْرُودٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ( أَوْ مَرْجُومٌ بِالشُّهُبِ - رَجِيمٌ ) . [1]
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ،طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا،فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ،فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ،فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ . فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ . فَقَالُوا السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ . فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ،فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ،فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ » [2] .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْعِلْمِ وَأَخَذَ يُشَنِّعُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ السُّنَنَ،وَيَذُبُّونَ عَنْهَا،وَيَقْمَعُونَ مَنْ خَالَفَهَا بِأَنْ قَالَ: لَيْسَتْ تَخْلُو هَذِهِ الْهَاءُ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى اللهِ أَوْ إِلَى آدَمَ،فَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى اللهِ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا،إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ،وَإِنْ نُسِبَتْ إِلَى آدَمَ تَعَرَّى الْخَبَرُ عَنِ الْفَائِدَةِ،لأَنَّهُ لاَ شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ لاَ عَلَى صُورَةِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ تَمَلَّقَ قَائِلُ هَذَا إِلَى بَارِئِهِ فِي الْخَلْوَةِ،وَسَأَلَهُ التَّوْفِيقَ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فِي لُزُومِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - لَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْقَدْحِ فِي مُنْتَحِلِي السُّنَنِ بِمَا يَجْهَلُ مَعْنَاهُ،وَلَيْسَ جَهْلُ الإِنْسَانِ بِالشَّيْءِ دَالًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهِ.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1831)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (6227 )