القيامة، وحقَّره وصغَّره) [1] .
ولكن انتبه! ليس الإخلاص أن تنقطع عن العمل، وإنما أن تَعْرِف لله تعالى قَدْرَه، فلا تصرفَ العمل إلا له.
وعلامة الإخلاص أن تكون في الخَلْوَة كالجَلْوَة، فللمرائي أربع علامات: يَكسَل إذا كان وحده، ويَنْشَطُ إذا كان في الناس، ويَزيد في العمل إذا أُثْنِيَ عليه، ويُنقِصُ منه إذا لم يُثْنَ عليه؛ لذا أخلِصْ دينَك يكفِك العملُ القليل [2] ؛ فـ(رُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السهر،
ورُبَّ قائم حظُّه من صيامه الجوع والعطش) [3] .
وضابط الإخلاص في الدعوة أن لا تنزعج إن أفاد المدعوَّ غيرُك، ولا تقل:"فاتني الأجر"!!!؛ لأن المُعَوَّل على النية الصادقة إن تَعذَّر الفعل، ولربما كانت نية المرء خيرًا له من عمله! [4] ، وإن شئتَ فَقُل: قد يَبْلُغ المرء بنيّته ما لا يَبْلُغه بعمله؛ فـ(إنما الدنيا لأربعة نَفَرٍ: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويَصِل فيه رحِمَه ويعمل لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٌ رزَقه الله تعالى علمًا، ولم يرزقْه مالًا، فهو صادقُ النية يقول: لو أن لي مالًا لعَمِلْتُ بعمل فلان، فهو بنيته، فأَجرُهما سواء، وعبدٌ رزقه الله مالًا ولم يرزقْه علمًا يَخبِط في ماله بغير علمٍ، لا يتقي فيه ربَّه، ولا يَصِل فيه رَحِمَه، ولا يعمل لله فيه حقًا فهذا بأخبثِ المنازل،
وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنّ لي مالًا لَعَمِلْتُ فيه بعمَل فلانٍ، فهو بنيّته، فوِزرهما سواء) [5] .
هاتِ رأيك بهذين الحديثين:
(1) - أحمد وابن المبارك في"الزهد"، والإسناد الأول على شرط الشيخين، وقال المنذري والهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد أحدها صحيح، وفيه أن عينا ابن عمر (ذَرَفَتا لمّا سمعه من عبد الله بن عمرو، وراجع"النهاية"لتوجيه رواية"سامعُ"بالرفع بدل"أسامعَ"، مع التنبيه أنه لم يُورد"مسامع"من بين الروايات، فكأنها تصحيف، فليُحرّر.
(2) - قاله (لمعاذ لما طلب منه وصيةً، والحديث صححه الحاكم ولم يتعقبه المنذري، لكن الذهبي والعراقي تعقباه بالانقطاع، وضعفه الألباني.
(3) - أحمد والطبراني، وقال العراقي: إسناده حسن، وفال الهيثمي: رجاله موثقون.
(4) - إشارة إلى حديث ضعيف (نية المؤمن خير من عمله) ، وهو وإن كانت له طرق تجبُر ضعفَه لكن من حسّنه فقد فرّط، كذا قال المُناوي في"شرح الجامع"، وهي بمعنى أن العمل ربما يشوبه الرياء بخلاف النية هنا.
(5) - أحمد والترمذي وهو صحيح.