رِضا المولى تبارك وتعالى في الدّارَين، ومِن ورائِه سِرُّ الجنة! ... الفردوس [1] .
فالكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجِز مَن أَتْبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانيّ [2] ؛ فـ(لا يغترَنَّ أحدُكم بحِلم الله عز وجل؛ فإن الجنة أقربُ إلى أحدكم من
شِراك نعله) [3] ، والراحةُ عند أول قَدَم تُوضع في الجنة،
{فمن زُحْزِح عن النار وأُدْخِل الجنة فقد فاز} ، فهما فريقان في نهاية المَطاف لا ثالث لهما: {فريق في الجنة، وفريق في السعير} .
(ألا إنّ عمل الجنة حَزْنٌ بِرَبْوة، ألا إن عمل النار سَهْلٌ بسَهْوة) [4] ؛ فـ (مَن خاف أَدْلَج، ومن أَدْلَج بَلَغَ المنزل، ألا إن سِلْعَةَ الله غالية، ألا إن سِلعة الله الجنة) [5] .
حقًا! (ما رأيتُ مِثْلَ الجنة نام طالبها، ومثلَ النار نام هاربها) [6] ، ويكفيك أن (أهل النار لَيَبْكُون حتى لو أُجْرِيَت السفن في دموعهم لَجَرَتْ، وإنهم لَيَبْكُون الدمَ ـ يعني ـ مكانَ الدمع) [7] ؛ فمن اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أَشْفَق من النار لَهَا عن الشهوات [8] .
وإن أردْتَ أن تُطبِّق مبدأ"خيرُ البِرِّ عاجله" [9] ، فتَعْرِفَ منزلتك من الآن في الجنة فاستعمل الميزان العجيب: من كان يُحبُّ أن يَعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده؟ فإنّ الله يُنزل العبد منه حيث أنزله من نفسه [10] .
(1) - كما في البخاري (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس؛ فإنه سِرُّ الجنة) ، وسِرّ كلِّ شيء: جوفه ولُبُّه وخالصُه.
(2) - حسنه الترمذي وصححه الحاكم وتبعهما النووي، وتعقّبهم المحققون كالذهبي بأنه ضعيف وهو كذلك.
(3) - البخاري.
(4) - قال ابن كثير في تفسيره:"انفرد به أحمد، وإسناده حسن ليس فيه مجروح، ومتنه حسن"، لكن في"لسان الميزان"ما يفهم منه احتمال تضعيفه تبعًا لرجل في السند لم يتبين اسمه، والحَزْن ضد السهل، والسَّهوة=الأرض اللينة، فالمعصية بسهولتها مثل السَّهوة.
(5) - الترمذي، وقال: حسن غريب.
(6) - الترمذي والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن كما قال الهيثمي، وحسنه الألباني.
(7) - الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني.
(8) - ابن صَصْرى في أماليه وقال: حسن غريب، وقال العراقي: سنده ضعيف، وزعم ابن الجوزي وضعه، وضعفه الألباني.
(9) - ليس حديثًا.
(10) - الحاكم والبيهقي في"شُعَب الإيمان"، وقال المنذري: الحديث حسن اهـ لكن أورده الذهبي في الميزان، وسكت الحافظ في"اللسان"عمن قال:"جَمَعَ الله على هذا الحديث الضعفاء"، وضعّفه الألباني، لكنه حسنه لشواهده في"السلسلة"بلفظ: (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده) ، وذكره ابن عدي في"كامله".