أمّا الأنبياء ومن تبعهم بإحسان فالله تعالى عندهم ذو الرقم 1، إذًا فمنزلتهم في الجنة
برقْم 1، أما أنا وأنت فعفا الله عنا!!! قد ألْهَتْنا الدنيا!
(اقتربَت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حِرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بُعدًا) [1] ؛ فـ (مَن كانت نِيَّتُه الآخرةَ جَمَعَ الله عليه أمرَه، وجعل غناه في قلبه وأَتَتْه الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيتُه الدنيا فَرَّق الله عليه أمره، وجعل فَقْرَه بين عينيه ولم يَأتِه من الدنيا إلا ما كُتِبَ له) [2] .
وليس الزهد حِسِّيًا بقَدْر ما هو معنوي! أعني التعَلُّقَ القلبي! وقد أَمَرَنا شرعُنا أن نُفْرِغَ قلبَنا لا يدَنا من الدنيا، فَفَقْرُ رسولنا (الذي تُوُفِّي ودِرعُه مرهونة عند يهودي [3] لم يكن لِضِيق ذات اليد، بل لأن مبدأه هاهنا: غيري غيري لا نفسي نفسي [4] ،
و {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .
فالزاهد"هو الذي إن أصاب الدنيا لم يَفرح، وإن فاتَتْه لم يَحْزن"كما قال ابن المبارك
رحمه الله [5] ، والزَّهادة في الدنيا: أن لا تكون بما في يديك أَوْثَقَ منك بما في يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصِبْتَ بها أرغَبَ منك فيها لو أنها بَقِيَتْ لك [6] ، وإن أردتَ حَقَّ الزهد فازهد في كل ما لا ينفعك في الآخرة!
ومما يُسهِّل القضية أن تَعْلَمَ أنه لا أَحَدَ يَنْفَعُ مدْحُه ويَزِيْنُه ويَضُرُّ ذَمُّه ويَشِيْنُه إلا الله [7] ،فازهد في
(1) - الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي كما في فيض القدير، وحسنه الألباني.
(2) - إسناده صحيح، أخرجه ابن عبد البَرّ، وابن أبي عاصم، والطحاوي في مشكله، وقال الترمذي: حسن.
(3) - الترمذي: حسن صحيح اهـ واسم اليهودي أبو الشحم.
(4) - إشارة إلى ما يقوله حتى الأنبياء يوم القيامة من هَول ذاك اليوم، متفق عليه.
(5) - راجع ترتيب المدارك للقاضي عِياض.
(6) - الطبراني، وفيه رجل ضعّفه الجمهور.
(7) - تأتي هنا قصة الرجل الذي قال عن نفسه [إن حَمْدي زين، وإن ذمي شَين] ، فقال له عليه الصلاة والسلام: (ذاك الله) ، وإسناده صحيح كما في المُختارة للضياء المقدسيّ تحقيق"دهيش"، وصححه الألبانيّ.