إن التأثيرات الجيواستراتيجية لأميركا واضحة: فهي، أي أميركا، بعيدة جدًا لكي تسيطر في هذا الجزء من أوراسيا، ولكنها قوية جدًا وبالتالي لا يحتمل ألا تنخرط في هذا المكان من العالم. وإن كل الدول في هذه المنطقة تنظر إلى التدخل أو الانخراط الأميرك ـي باعتب ـاره ض ـروريًا لبقائها. وروسيا أصبحت ضعيفة جدًا وغير قادرة على استعادة سيادتها الإمبريالية على المنطقة أو على إبعاد الآخرين منها، ولكنها قريبة جد ًا وقوية جدا وبالتالي لا يمكن استبعادها. وإن تركيا وإيران قويتان بما فيه الكفاية لممارسة النفوذ، ولكن عدم مناعتهما تستطيع أن تجع ـل المنطق ـة غير قادرة على التكيف والتعامل مع التحدي ال قادم من الشمال ومع النزاع ـات الداخلي ـة ف ـي المنطقة. والصين قوية جدا ولكن ليس لد رجة تخيف معها روسيا ودول آسيا الوسطى، ومع ذلك فإن وجودها ذاته ودينا ميتها الاقتصادية يسهلان على آس ـيا الوس ـطى ال ـسعي إل ـى امت ـداد عالمي أوسع.
نستنتج من ذلك أن المصلحة الرئيسة لأميركا تكمن في المساعدة لكي تضمن بأن أي ق ـوة منفردة لن تسيطر على هذا المجال الجيوبوليت ي، وأن المجتمع العالمي لم يعق حري ـة الوص ـول المالي والاقتصادي إليه. ولن تصبح التعددية واقعًا دائمًا إلا عندما تربط شبكة من أنابيب ال ـنفط وطرق المواصلات المنطقة مباشرة بالمراكز الرئيسة للنشاط الاقتصادي العالمي عبر البح ـرين العربي والأبيض المتوسط، وعبر البر أيضًا. وبالتالي، فإن الجهود الروسية الهادفة إلى احتك ـار حرية الوصول يجب أن تقاوم بوصفها غير ملائمة للاستقرار الإقليمي.
ومهما يكن الأمر، فإن استبعاد روسيا من المنطقة ليس مرغوبًا فيه ولا ممكن ـًا، ولا يحب ـذ أيضًا خلق عداوة بين الدول الجديدة في المنطقة من ناحية، وب ين روسيا من ناحية ثانية، وف ـي الحقيقة فإن الإسهام الاقتصادي الفعال لروسيا في تطوير المنطقة يعتبر ضروريًا لاستقرار ه ـذه الأخيرة، ويجعل روسيا شريكًا، ولكن ليس حاكمًا مهيمنًا حصرًا، يمكن أن تتحقق فوائد اقتصادية هامة وناضجة أيضًا. وعمومًا، فإن الاستقرار الأكبر و الثروة المتزايدة ضمن المنطق ـة س ـوف يسهمان مباشرة في رفاهية روسيا وتعطي معنى حقيقيًا"لرابطة الدول"التي تعد به ـا الت ـسمية المعروفة بها أي رابطة الدول المستقلة. ولكن هذا الخيار التعاوني لن يصبح سياسة روس ـية إلا عندما تستبعد على نحو فعال التصاميم أو الأفكار الأكثر طموحًا التي تحمل مفارقات تاريخي ـة، وتذكر على نحو مؤلم بما كان يحدث في دول البلقان الأساسية.
إن الدول التي تستحق أقوى دعم جيوبوليتي من قبل أميركا هي أذربيجان، وأوزبك ـستان، و (من خارج المنطقة) ، أوكرانيا، علمًا أن هذه الدول الثلاث ه تعتبر كلها محورية أو بالغة الأهميةجيوبوليتيًا. وفي الوقت ذاته، فإن كازاخستان تستحق أيضًا، إذا أخذنا في الاعتب ـار م ـساحتها، وقدرتها الاقتصادية، وموقعها المهم جغرافيا، مساندة دولية عقلانية، ولا سيما في مجال