فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 194

كانت السلطة الإمبراطورية المغولية تعتمد إلى ح ٍدٍ كبير على السيطرة العسكرية. وإذ كانت هذه السيطرة تتحقق بالاستخدام الذكي، الذي تنعدم فيه الشفقة أو الرحم ـة، للتكتي ـك الع ـسكري المتفوق الذي جمع بين القدرة الكبيرة في الحركة السريعة والحشد المؤقت جيدًا (ف ـي الوق ـت المناسب) ، فإن الحكم المغولي لم يكن يملك نظامًا اقتصاديًا أو ماليًا منظمًا، ولا كان ـت ال ـسلطة المغولية نابعة من أي إحساس أكيد بالتفوق الثقافي. وكان الحكام المغول قليلي الع ـدد جدًا إذا أخذنا ذلك من منظور تمث يل طبقة حاكمة قادرة على التكاثر الذاتي ومهما يكن الأ مر فإن غي ـاب ذلك الإحساس، من حيث الوعي الذاتي، بالتفوق الثقافي أو حتى الاتني، هو الذي ح ـرم النخب ـة الإمبراطورية من الثقة الذاتية اللازمة.

وفي الحقيقة، فإن الحكام المغول أثبتوا أنهم حساسون جدًا إزاء اس ـتيعابهم ت ـدريجيًا أو ذوبانهم في الشعوب الأكثر تقدمًا وثقافة التي استولوا عليها. وهكذا، فإن أحد أحفاد جينكيز خان الذي أصبح إمبراطورًا للجزء الصيني من مملكة الخان العظمى، أصبح داعية متحمسًا لم ـذهب الكونفوشوسية، بينما أصبح حفيد آخر داعية متحمسًا للإسلام في وظيفته كسلطان لبلاد الفرس، وكذلك، أصبح حفيد ثالث من هؤلاء، الحاكم الثقافي الفارسي لآسيا الوسطى.

وهكذا، كان هذا العامل، أي استيعاب أو ذوبان الحكام في المحكومين، ومع غياب الثقاف ـة السياسية المسيطرة، إضافة إلى المشكلات غير القابلة للحل المتعلقة بخلافة الخان الكبير ال ـذي أسس الإمبراطورية، هو الذي ادى الى انهيارها في نهاية المطاف. وقد أصبحت مملكة المغول كبيرة جدًا ولدرجة لم يعد ممكنًا معها أن تحكم من قبل مركز واحد، ولكن الحل الذي جرب في هذا المجال، أي تقسيم الإ مبراطورية إلى عدة أجزاء ذاتية الاحتواء، هو ال ـذي حثّ، وحت ـى بسرعة أكبر على الذوبان المحلي الأمر الذي ?سرع، بدوره، التفتت الإمبراط ـوري. وبع ـد أن، استمرت أكبر إمبراطورية برية في العالم مدة قرنين، من العام 1206 إلى العام 1405، اختفتدون أن تترك أثرًا.

وبعد ذلك، أصبحت أوروبا مركز القوة العالمية من ناحية، ومركز الصراعات م ـن أج ـل امتلاك القوة العالمية من ناحية ثانية. وفي الواقع، فخلال الثلاثة قرون تقريبًا، استطاع المح ـيط الشمالي الغربي من القارة الأوراسية أو يحقق، عبر القدرة على نقل القوة البحرية ولأول م ـرة في التاريخ، سيطرة عالمية حقيق ية عندما وصلت القوة الأوروبية، إلى كل قارات العالم، وأثبتت وجودها في هذه القارت. ويجدر بالذكر أن القائمين بهذه السيطرة م ـن الأوروبي ـين الغ ـربيين الإمبراطوريين كانوا قلة من الناحية الديموغرافية، ولا سيما إذا ما قورنوا بعدد الذين أخ ـضعوا لهم، ومع ذلك فمع بداية القرن العشرين، وخارج نصف الكرة الغربي (الذي كان ق ـد خ ـضع أيضًا قبل قرنين للسيطرة الأوروبية الغربية والذي ك ـان مأهو ًلا ف ـي معظم ـه بالمه ـاجرين الأوروبيين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت