فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 194

تطلعات عالمية في فترة ذروتها، وذلك بمعنى أنه لم تكن توجد آنذاك أي دول ـة أخرى قادرة على تحدي هذا الوضع الإمبراطوري أو حتى على مقاومة أي توسع لاحق له، إذا كان هذا التوسع يمثل نزعة أو رغبة صينية. وكان النظام الصيني ذا احتواء ذاتي وقدرة ذاتي ـة على الاستمرارية، واعتمد بصورة رئيسية على الهوية الأتنية المشتركة، بالإضافة إل ـى ق ـدرة محدودة نسبيًا في ممارسة السلطة (نقل القوة) المركزية إل ى الدول الخاضعة لها والموجودة على حدودها الجغرافية أو ذات الاتنيات الأجنبية.

إن المركز الاتني الكبير والمسيطر جعل من الممكن أن تق ـوم ال ـصين بعملي ـات تجدي ـد إمبراطورية دورية أو عمليات إحياء وترميم نشيطة. وفي هذا المجال، كانت ال ـصين مختلف ـة تمامًا عن الإمبراطوريا ت الأخرى التي كانت فيها الشعوب الأقل عددًا، وذات ال ـدوافع الأق ـوى إلى الهيمنة، قادرة، خلال فترة زمنية ما على أن تفرض سيطرتها، وتستمر بها، على ال ـسكان الآخرين من ذوي الاتنيات الأخرى. ومهما يكن الأمر، فما أن انهارت ال ـسيطرة لمث ـل ه ـذه الإمبراطوريات ذات البنية المركزية الصغيرة، حتى أصبحت عملية التجديد غير واردة.

ولكي نجد ما يماثل إلى حد ما التعريف الحالي للقوة العالمية، يجب أن نعود إلى الظ ـاهرة الهامة للإمبراطورية المغولية. فقد ظهرت هذه الإمبراطورية عبر صراع ح ـاد م ـع خ ـصوم رئيسيين ومنظمين جيدًا. وكانت بين هؤلاء المهزوم ين مملكت ـا بولوني ـا وهنغاري ـا، وق ـوات الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وعدة ولايات روسية، والخلافة في بغداد، وحتى سلالة س ـنغ في الصين، في وقت لاحق.

أقام جينكيز خان وخلفاؤه، بعد أن هزم منافسيه الإقليميين، سيطرة مركزية على الأراضي التي احتلها، وبالتالي فإن علماء الجغرافيا السياسية الحاليين عرفوا هذه الكتلة من الأراضي بأنها المنطقة المركزية أو المحورية الحيوية للقوة (الدولة) العالمية. وقد امتدت ه ـذه الإمبراطوري ـة القارية الأوراسية من شواطئ بحر الصين إلى الأنا ضول في آسيا الصغرى وأوروبا الوس ـطى (انظر الخريطة) . ولم يحدث بعد ذلك أن وجدت سيطرة مركزية مماثلة على مثل هذه المساحات الواسعة من الأراضي التي احتلتها الإمبراطورية المغولية إلا في أيام الذروة للكتل ـة ال ـصينيةالسوفييتية الستالينية.

كانت الإمبراطوريات الرومانية، والصينية، والمغولي ـة دولا إقليمي ـة حقق ـت طموح ـات المتطلعين إلى امتلاك سلطة أو قوة عالمية. وفي حالة روما والصين، وحسبما لا حظنا سابقًا، فقد كانت بينهما الإمبراطورية متطورة جدًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، بينما م ـارس المغول المنتشرون على نطاق واسع لتفوق"المركز"دورًا جامعًا ها م ـ ًا. وف ـي المقاب ـل، ف ـإن الإمبراطورية ال مغولية حافظت على السيطرة السياسية بالاعتماد، على نحو مباشر، على الغ ـزو العسكري الذي كان يليه التكيف مع الشروط المحلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت