كان هذا هو الفراغ الذي حاولت عقيدة الأوراسية الجذابة على نحو متزاي ـد، وبتركيزه ـا أيضًا على الخارج القريب، أن تملأه. وكانت نقطة الانطلاق لهذا التوجه، والتي عرفت بتع ـابير ثقافية وحتى غامضة هي الفرضية القائ لة إن روسيا ليست على الصعيدين الجيوبوليتي أو الثقافي أوروبية تمامًا ولا آسيوية تمامًا، وأنها، بالتالي، ذات هوية أوراسية متميزة. وهذه الهوية موروثة عن السيطرة المكانية الفريدة في نوعها لروسيا على الكتلة البرية الكبي ـرة جدًا ب ـين أوروب ـا الوسطى وشواطئ المحيط ال هادي، وموروثة أيضًا عن الدولة الإمبراطورية التي أقامتها موسكو خلال أربعة قرون في اتجاه التوسع الشرقي. وكان هذا التوسع قد ضم إلى روسيا سكانًا غي ـر روس وغير أوروبيين مما خلق بذلك، شخصية أوراسية. ذات طابع سياسي وثقافي متميز.
إن الظاهرة الاوراسية بوصفها عقيدة، لم تنش أ في العهد بعد السوفييتي. ولكنها طفت إل ـى السطح لأول مرة في القرن التاسع عشر، ولكنها أصبحت أكثر انتشارًا في الق ـرن الع ـشرين، وذلك بوصفها بدي ًلا واضحًا للشيوعية السوفييتية ورد فعل على الانحطاط المزع ـوم للغ ـرب. وكان المهاجرون الروس نشيطين بشكل خاص في نشر العقيدة بوصفها بدي ًلا للمذهب السوفييتي، بعد أن تأكدوا من أن ضعف المشاعر القومية لدى غير الروس ضمن الاتحاد السوفييتي تطل ـب أو احتاج إلى، عقيدة فوق قومية قوية، لئ ًلا يؤدي سقوط الشيوعية في نهاية المطاف إلى تفت ـت الإمبراطورية الروسية الكبرى القديمة.
وفي نحو منتصف العشرينيات من هذا القرن جرى توضيح هذه الحالة على نحو مقنع م ـن قبل الأمين،. س تروبتسكوي، أحد الأنصار البارزين للمذهب الاوراسي، حيث كتب قائ ًلا:
"كانت الشيوعية في الحقيقة أنموذجا مموهًا للمذهب الأوروبي في تدمير الأسس الروحي ـةوالوجدانية القومية في الحياة الروس ية، حيث أنها نشرت هذا الإطار المادي المرجعي الذي ك ـانيحكم فع ًلا ك ًلا من أوروبا وأميركا ..."
وأن مهمتنا هي خلق ثقافة جديدة كليًا، هي ثقافتنا الخاصة، والت ـي ل ـن ت ـشبه الح ـضارةالأوروبية عندما تتوقف روسيا عن أن تكون انعكاسًا مشوهًا للحضارة الأوربية ... وعندما تصبح مرة أخرى هي ذاتها"أي روسيا اوراسيا، التي هي الوريث الواعي، والحامل، لإرث جنكيزخان الكبير" (1) .
وجدت وجهة النظر هذه اتباعًا متشوقين في الوضع بعد السوفييتي المشوش. فمن ناحي ـة، أدينت الشيوعية بوصفها خداعًا للأرثوذكسية (المعتقدات القومية) الروسية و"للفك ـرة الرو س ـية"الصوفية الخاصة؛ ومن ناحية ثانية، رفض مؤيدو الغرب لأن هذا الغرب، وخاصة أميركا، كان ينظر إليه بوصفه فاسدًا، م عاديًا للثقافة الروسية، ويميل إلى أن ينكر على روس ـيا ادعاءه ـا ذا الجذور التاريخية والجغرافية في السيطرة حصرًا على الكتلة البرية الاوراسية.