فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 54

عليه الصلاة والسلام: ما أظنه إلا أنت يا حميراء).

وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءت خلافة أبو بكر وانقضت، وجاءت خلافة عمر وانقضت، وجاءت خلافة عثمان وانقضت، وجاءت خلافة علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، وجاءت عائشة عليها رضوان الله تعالى، وجاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا لها: وقعت فتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحثوها على الخروج إلى العراق إلى الكوفة، فلا زالوا بها حتى ركبت الناقة، وعلى تلك الناقة، وسميت واقعة الجمل، فركبت الناقة، وفي طريقها لما أقبلت إلى العراق سمعت نباح كلاب في ليلة من الليالي، فقالت: ما هذه البلدة؟ قالوا: الحوأب، فتذكرت كلام النبي عليه الصلاة والسلام من عقود فبكت، ولا يعلم من حولها بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعلمون ما بها، فسقطت حتى حملت مرة أخرى، فتذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كيف بإحداكن إذا نبحت على إحداكن كلاب الحوأب؟! قالت: ومن الذي يذهب بنا يا رسول الله؟ قال: ما أظنه إلا أنت يا حميراء) ، وهذا إنما غاب عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، لا لأنها قد وقع فيها ريب أو شك من ذلك، لكنها قد استغربت الحال وصدقت بيقين، وغاب عن قلبها استحضار ذلك عند حال الحدوث.

والله عز وجل قد أيد نبيه عليه الصلاة والسلام بالمعجزات وبالإخبار بأمر الغيب، وجعل أصحابه عليهم رضوان الله تعالى بتلك المنزلة الرفيعة والتسليم المطلق؛ لأنهم ما بحثوا عن علة، بل جزموا يقينًا بأن هذا الرجل الذي صدق في تلك الأمور وبانت العلة والحكمة سيصدق قطعًا في تلك الأمور.

والنبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر عمر بن الخطاب وقال له: (يأتي وفد اليمن ومعهم رجل اسمه أويس، فإن لقيته فاستأمره أن يستغفر لك، فإنه رجل كان بارًا بأمه) ، فلما جاء وفد اليمن في خلافة عمر، ذهب عمر بن الخطابعليه رضوان الله تعالى يسأل وفد اليمن: (أفيكم رجل اسمه أويس؟) وكانت العرب لا تحتك بالرعاة، ولا تتحدث معهم أنفة وكبرًا، بل ربما لا يعرفون أسماءهم، (فقالوا: ليس معنا رجل اسمه أويس، فقال: والله لا يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ يتتبعهم واحدًا واحدًا، حتى قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: بقي رعاة الإبل، فذهب إليهم، فلقي أحد الرعاة اسمه أويس، فبكى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وقال: النبي عليه الصلاة والسلام قال لي كذا وكذا، وأمرني أن تستغفر لي ثم دعا له أويس القرني عليه رضوان الله تعالى.

وغير ذلك مما يدل على التسليم المطلق؛ لأنهم ما نظروا وما التمسوا علة إلى الحكم الشرعي والخبر.

وما يذكره المصنف عليه رحمة الله تعالى في هذه الرسالة هي من المسلمات التي فطر الإنسان عليها في سائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت