فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 54

الدنيا من ضيق وحرج كأنما يصعد في السماء، وما يحصل كذلك من نكد وإعراض عن ذكر الله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] ، إلى غير ذلك، كيف الجمع بين هذا وهذا؟ فيقال: إن الدنيا سجن للمؤمن بالنسبة لنعيم الآخرة، وأما بالنسبة للكافر فهي نعيم بالنسبة لعذاب الآخرة.

... المقارنة بين عيشة الزاهد والمجاهد في الدنيا

قوله: (عيشة الزاهد في تحصيلها عيشة الجاهد فيها أو أقل) أي: أن الإنسان إن اجتهد في هذه الدنيا أو سعى في كسبها فلن يعدو رزقه، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: (اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) ، فما جاءك من رزق اعلم أنه رزقك، وما أخطأك من رزق وقد سعيت إليه وطلبته، وذهب إلى غيرك شرابًا سائغًا ولم يسع إليه فاعلم أنه ليس لك، وأن الله عز وجل قسمه لغيرك.

... حكمة الله في تقسيم الأرزاق بين الأغبياء والأذكياء

قوله: (كم جهول وهو مثر مكثر وعليل مات منها بالعلل) أي: كم من رجل جهيل مجهول، وجاهل في طرق التكسب والسعي في الدنيا ونحو ذلك، وفيه من السذاجة والبساطة، إلا أن الله عز وجل رزقه من الثراء والمال والنعيم في هذه الدنيا، وهو لا يحسن جمع مال، بل لا يحسن رعاية أهله، وكم من الناس من أذكياء الدنيا ما رزقهم الله سبحانه وتعالى كما رزق ذلك، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يعتدي وأن ينظر لماذا رزق الله عز وجل فلانًا ولم يرزقني كما رزق بعض البسطاء.

وأذكر أنه في عام من الأعوام، وقد كنت في أحد جبال عرفة، وكان بجواري أحد الشاميين، وكان يرفع يديه ويدعو، وفهمت من دعائه أنه مهندس، فيقول: يا رب! أنا مهندس وقد بلغت من العلم كذا وكذا، وأنك أعطيت جاري الصعلوك بيتًا، وأعطيته مزرعة ولم تعطني، فلمَ يا رب؟ فتناولته وقلت له: إن الله عز وجل أمر بالأخذ بالأسباب، ولكن هذا المهندس غلب عليه أن جعل تلك الأسباب هي في المقام الأول، وهذا هو ما يظنه كثير من الناس، وهذا ينافي العبودية لله سبحانه وتعالى، قد ينافي كمالها، وقد ينافيها بالكلية، فإذا علق الأمر بالأسباب وجعلها التي تعطي وتضر وتنفع، وهذا يخالف ما هو مشاهد ملموس، ويخالف نصوص الشرع، فلا يحاسب الإنسان ربه، فالله عز وجل لا يسأل عما يفعل، والعباد هم الذين يسألون.

... اختلاف الأقدار بين الشجاع والجبان

قوله: (كم شجاعٍ لم ينل فيها المنى وجبانٍ نال غايات الأمل) الشجاعة لا تعني أن الإنسان يحصل مراده بقوته وسطوته فيغلب غيره، فكم من جبان غلب القوي بسبب التوفيق، وكم من جبان قتل شجاعًا، فليست الشجاعة هي كل شيء، وكم من الناس من يأتي إلى ساحات المعارك وجبهات القتال سنوات عديدة، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت