سنن الترمذيأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا لقي أحدكم أخاه فليسأله من هو وممن هو) ، والمراد من ذلك أن يسأله حتى يعرف حاله من أي جهة كان؛ حتى يحتاط لنفسه إن كان صاحب خير فيعطيه مكانته، وصاحب رفعة فيعطيه منزلته، وإن كان صاحب منزلة وضيعة أو صاحب خسة ونحو ذلك فيتقي شره.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يتقي شرور الناس، وقد جاء في الصحيح (أن النبي عليه الصلاة والسلام استأذن عليه رجل فقيل له: فلان عند الباب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بئس أخو العشيرة، فلما أذن له النبي عليه الصلاة والسلام، ودخل الرجل هش في وجهه وبش، فقالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه) ، أي: كأنه لم يعهد منه أذية ولم يؤذه، وأنه ليس بصاحب فحش، بل بش في وجهه وهش، وتعامل معه على الرحب، وكأنه لم يلق منه أذية، وإنما إشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى أذيته في نفسه، وهذه من خصال المؤمن التي فيها مجلبة للمودة وتآلف الناس، فليس كل ما يعلمه الإنسان يقوله، وكل ما يراه يتحدث به، وفي الحديث: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) .
قال المصنف رحمه الله:
[ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس جبل]
الإنسان لا بد له من أعداء، وبقدر عقله بقدر ما يكون له أعداء.
يقول ابن حزم الأندلسي في كتابه تهذيب النفوس ويسمى مداواة النفوس: (ما من أحد من الناس إلا وله أعداء بقدر عقله، ومن رام حياة بلا أعداء، فإنه يرم مستحيلًا، ولم أر أحدًا من الناس ليس له أعداء إلا المجانين) ، فالمجنون فقط الذي ليس له أعداء؛ لأنه لا يملك عقلًا.
ولذلك ترى المجنون في الشارع هل له عدو؟ إنما يتخبط يمنة ويسرة، والكل يرحمه حتى أحقد الناس، وأشد الناس عداء وحسدًا لكل صاحب نعمة ليس بعدو لهذا المجنون، بل أنهم يرحمونه، وربما حملوه وأنفقوا عليه؛ لأنه ليس بصاحب عقل، وكلما زاد عقله وأصبح لديه عقل بقدر ما تكون العداوة له عند الناس.