فهرس الكتاب
[إن من يطلبه الموت على غرة منه جدير بالوجل]
الموت يطلب الإنسان ويتبعه، ويتخطاه هذه المرة إلى غيره، ويأتي مرة أخرى ويتخطى غيره إليه، فإذا كان الإنسان يعلم أن الموت سيأتيه، لكنه لا يعلم في أي لحظة، فالواجب عليه أن يخاف منه ويوجل، كالإنسان الذي يطلبه غريم أو طالب، أو يتوعد بقتل ولا يعلم متى يأتيه، فذلك الذي سيقتله الأولى أن يكون وجلًا في كل حاله لا في ساعة من تلك الساعات، ولكن الإنسان لنعمة النسيان والغفلة جعل الله عز وجل له من ذلك نعمة، فيوجل الإنسان من ذلك الطالب والغريم وينسى تذكر الموت.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بأمر نبيه عليه الصلاة والسلام تذكر الموت والأخذ بأسبابه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم بالآخرة، وتذكر بالموت، وتزهد في الدنيا) ، وينبغي للمرء أن يتذكر الموت، وإن نسيه فإنه يجعل له ما يذكره فيه من زيارة المقابر، أو تذكر الأمم السابقة وأحوالها حتى يتذكر الأجل المحسوم، والحساب الذي ينتظره يوم القيامة.
قال المصنف رحمه الله:
[غب وزر غبًا تزد حبًا فمن أكثر الترداد أضناه الملل]
أي: لا ينبغي أن تثقل في الزيارة والذهاب والمجيء إلى الناس، حتى يملوك، وقد جاء في الخبر مرفوعًا: (زر غبًا تزدد حبًا) ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحث أصحابه على ذلك، وقد جاء هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة في سنن أبي داود وغيرها.
وقوله: (وزر غبًا تزد حبًا) المراد بالغب هو يوم بعد يوم، فيكون لك يوم غياب ثم حضور، فلا تداوم بالذهاب والمجيء، وجاء في المسند: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا إلا غبًا) ، أي: يومًا بعد يوم حتى لا يكثر الإنسان من التنعم ويتشبه بالنساء، ويغلب عليه طبائع النساء.
وقوله: (فمن أكثر الترداد أضناه الملل) أي: أن في إكثار الترداد على الناس تنقص هيبته، وينبغي أن يبتعد، فكلما ابتعد عن الناس عظم قدره وشأنه عندهم، وأجلوه، وكلما خالط الناس فإنه يفتقد شخصه حتى ينقص قدره.
... الاهتمام بإصلاح القلب