فهرس الكتاب
وقوله: (فكم فل من جيش) أي: كم من جيش قد تجمع فلّه الله عز وجل، وقد انتشر في هذه الأرض، ثم اندثروا في هذه وأكلهم الثرى.
وقوله: (وأفنى من دول) أي: الدول التي تظن أنها باقية وأنه لا يفنيها شيء، وحكمها لا يزول، إلا أن الله عز وجل يجعل عجلة الزمان تطوي تلك الأمم والشعوب، فكم مر على الأمم من دول، وإذا كان عصر الخلفاء الراشدين خلافة النبوة قد انقضت، وجاءت خلافة بني أمية ثم بني العباس وجاء من جاء بعدهم، فهذا كله من أعظم العبر على أن الإنسان لا يبقى على أمر معين وعلى حال.
والإنسان إذا كان في يومه يتقلب من حال إلى حال فكيف بأهله وكيف بعمره، بل كيف بالدول كلها، فإن الإنسان يمل، ولا بد أن يقلب الله عز وجل له الحال، ولولا المرض لما عرف الإنسان قيمة الصحة، ولولا الموت لما عرف قيمة الحياة، ولولا فرقة الأحباب والأصحاب لما عرف قيمة الاجتماع، وما أنعم الله عز وجل به، ولولا الشتاء لما عرف نعمة الصيف، ولولا نعمة الصيف لما عرف نعمة الشتاء، فالله عز وجل يقلب الإنسان من حال إلى حال؛ لكي يعرف النعمة الأخرى، والإنسان كفور وليس بشكور على الأغلب من حاله، وفي ذلك يقول الشاعر:
يحب المرء في الصيف الشتاء وإذا جاء الشتاء أنكره
لا بذا يرضى ولا يرضى بذا قتل الإنسان ما أكفره
فلا يرضى بالشتاء إن كان فيه، ولا يرضى بالصيف إن كان فيه، إذًا يرضى بماذا؟ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] ، ولولا ما يقلب الله عز وجل حال الإنسان من بؤس وشقاء ونعمة ونقمة، وما يقلب الله عز وجل عليه الإنسان من ليل ونهار، فإن الإنسان قد يقنط وييأس، والله عز وجل امتن على الناس بتقلب الأحوال وتقلب الإنسان من حياة وموت ومرض وسقم ونحو ذلك، وكل ذلك ليعرف الإنسان نعمة الله عز وجل، يقول الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص:71] ، لا يأتي به إلا الله سبحانه وتعالى، فإن جعل الله عز وجل الليل على الناس أو جعل الضياء الأيام الطوال والأزمان بلا نوم، فمن يأتيهم بليل يسكنون فيه؟ لا يأتيهم بذلك إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أراد الله عز وجل بذلك أن يبين النعمة.
وإذا دام الإنسان على حال، فإنه يقنط وييأس وإن كان في نعيم، وكثير من أهل الدنيا والرفاهية والمال يخرجون إلى الفلوات والأودية والشعاب، يريدون أن يتمتعوا بما لم يروه، مع أن أصحاب الشعاب والبراري والشقاء والبؤس يتمنون ما هم فيه، فكل يتمنى أن يتغير حاله؛ لأن الله عز وجل قد جبل الإنسان على حب