فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 54

يعتقد أن ما يحوي من نصيب الدنيا ولذائذها ليس هو من عزمه واجتهاده المحض، بل هو سبب جعله الله عز وجل للإنسان أخذ به، فرزقه الله عز وجل ذلك الرزق.

... مدح العمل وحكم تركه

وما فات من متاع الدنيا ولذائذها، لا ينبغي أن يتحسر عليه بسبب الكسل، وإن كان الأصل أن الإنسان ينبغي أن يسعى ويعمل. وقد امتدح الله عز وجل العاملين، وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في حكم العمل، هل الإنسان إذا كان مقتدرًا على العمل، ولم يعمل واكتفى بنفقة غيره هل يأثم بذلك أم لا؟ على قولين:

فذهب الجمهور إلى أن عمله مستحب، وذهب قلة من العلماء وهو مروي عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى إلى الوجوب، والصواب أنه على الاستحباب، ويروى في الخبر كما عند الطبراني والمسند (أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد ووجد رجلًا فيه فقال: أنت تعمل؟ قال: لا، أخي يكفيني. قال: أخوك خير منك) ، مع أنه باقٍ في المسجد، لكن العمل هو الأولى، أي: أن يكد الإنسان ويكدح، وينبغي للإنسان أن يأخذ بالأسباب وأن يدخر رزقه، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم - كان يدخر قوت سنة، وهو من هو عليه الصلاة والسلام في الإيمان، فهو نبي من أنبياء الله عز وجل، ومؤيد بوحي الله سبحانه وتعالى، لكنه يعلم أمته مواضع الخير والأخذ بالأسباب، وليس هذا قنوطًا من رزق الله عز وجل، وعدم اعتبار، ولكنه أخذ بالأسباب، فهو يدخر رزق أهله سنة.

... الحذر من الدنيا وتقلباتها

قوله: (اطرح الدنيا فمن عاداتها تخفض العالي وتعلي من سفل) إنما تسمى الدنيا دنيا لدناءتها، وقيل: تسمى دنيا؛ لأن ما بعدها هو البعث والنشور، ويسمى الآخرة، فهي لا تعترف بنسب ولا بحسب، ولا بجاه، وإنما تأخذ الإنسان على غرة، وفي كثير من النصوص، سواء في الشرع أو في كلام العرب ينسب إلى الدنيا أنها فعلت وفعلت ونحو ذلك، وهذا كله من أقدار الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لا يعطي الدنيا من أحب فحسب، ولكن يعطيها من أحب ومن لم يحب، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء) ، أي: أن هذه الدنيا لا تعادل عند الله سبحانه وتعالى جناح بعوضة، ولذلك يعطي منها الكافر والمؤمن، فيقسم لهذا ويقسم لهذا، ويعطي هذا خيرًا وهذا خيرًا، أما الآخرة فلا يعطي الله عز وجل إلا من أحبه، وهي العاقبة.

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الخبر: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ، وقد سئل بعض أهل المعرفة عن معنى قوله: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكفر) ، وما في جاء في آيات كثيرة من أن المؤمن كلما ازداد إيمانًا شرح الله قلبه، وما يقع فيه من الطمأنينة، وانشراح الصدر، وما يحصل للكافر كذلك في هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت