فيدخلها)، فهذا لم يبقَ بينه وبينها إلا ذراع، أي: أنه بقي من أجله وقت يسير كيومين أو أقل من ذلك، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، ولذلك لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون، فينبغي للإنسان ألا يأمن مكر الله، ولا يقول: سأسوف وأفرط هذا اليوم وأتمتع بالحرام ونحو ذلك، فربما ختم الله عز وجل له بالحرام فكان من أهل النار والعياذ بالله، بل عليه بملازمة التقوى فإنه لا يدري. والإنسان له قيامتان: قيامة خاصة به وهو الموت، وقيامة عامة للناس، وأخطر وأشد ما على الإنسان هي قيامته الخاصة التي لا يعلم متى تأتيه، فالموت لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا.
قوله: (ليس من يقطع طرقًا بطلًا إنما من يتقي الله البطل) المراد بذلك: ليس من يسافر الأسفار ويمشي في البراري على قدميه ويقطع المفاوز هو الرجل، والبطل والقوي والجبار، ولكن من يتقي الله سبحانه وتعالى هو البطل، وهذا فيه دليل على منقبة عند العرب، وهي أنهم يمدحون صاحب الأسفار الذي يسافر لكسب الرزق والذهاب والمجيء ونحو ذلك، ولذلك الإمام الشافعي عليه رحمة الله مما ينسب له في ديوانه قال:
سافر تجد عوضًا عما تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سرى طاب وإن لم يجر لم يطب
ومعروف أن الماء الجاري هو الماء الصافي الذي لا يلوثه شيء، كمياه الأودية، أما الغدران الباقية فهذه تجري عليها الناس والبهائم حتى تفسد، فعليك بالجريان كالماء الذي رأيت وقوف الماء يفسده، إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب.
... تصديق الشرع بخصوص الغيب وتكذيب المنجمين
قال المصنف رحمه الله:
[صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل]
مراده بذلك: عليك بتصديق الشرع أنه لا يعلم الغيب إلا الله، (ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل) والمراد بذلك المنجمون، ولذلك تقول العرب: كذب المنجمون ولو صدقوا، فإن صدقوا فهذا من باب الصدفة، ولا تنظر إلى الكواكب والنجوم تريد أن تعلم علمًا مستقبليًا، وصدق الشرع أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولذلك من ادعى علم الغيب فقد نازع الله عز وجل في حقه.