من الذنب كمن لا ذنب له)، لكن هل يقره الله عز وجل على ذلك الذنب، ويسأله عنه وإن تاب؟
قد اختلف العلماء في هذا، فذهب بعض السلف، وهو قول الحسن البصري وغيره إلى أن الإنسان إن أذنب ذنبًا أو أذنب ذنوبًا فتاب واستغفر أنها لا تمحى من صحيفته، لكنه لا يعذب بها ويقرر بها يوم القيامة: يا فلان! أتذكر سيئة كذا وكذا، قد غفرها الله عز وجل لك.
وذهب بعض العلماء إلى أنها تمحى، وهذا هو الصواب، فلا يسأل عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عبد الله بن عمرو: (التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها، والحج يجب ما قبله) .
قال المصنف رحمه الله:
[أي بني اسمع وصايا جمعت حكمًا خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل]
قوله: (أي بني اسمع وصايا جمعت .. ) يريد المصنف هنا أن يرشد إلى وصايا عظيمة جليلة، قد سبق شيء منها، وما يأتي فهو الأهم والأجل، والأهم في حياة الإنسان.
وقوله: (اطلب العلم ولا تكسل) هنا جعل طلب العلم لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا وقد أبعد الراحة والدعة والكسل؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يصل إلى العلا إلا وقد سهر الليالي، ولا يمكن أن يصعد ويبلغ إلى أعلى المراتب والأماكن الحميدة في هذه الأرض إلا وقد جد واجتهد.
وقلما من الناس من يرث المجد إرثًا، ويكون من أهل السيادة في الدنيا إرثًا، فهم أفراد معدودون، لكن الأصل أن الإنسان لا يكون من أهل السيادة والرفعة والعلو إلا بالسهر، أما العلم فلا يعرف إرثًا، ولا يعرف نسبًا، فيرفع الله عز وجل به أسيادًا، ويرفع الله عز وجل به العبيد الذين قد وضعوا، ويضع الله عز وجل بالجهل الأسياد، وقد جعل الله عز وجل الفقهاء السبعة جلهم من الموالي؛ لأن العلم لا يعرف نسبًا، فالله عز وجل يرفع به، وقد جعل الله عز وجل الذين يعلمون ليسوا كالذين لا يعلمون.
ثم أخذ المصنف يحث على تفاصيل ذلك من الاحتفال به والتفقه، ويأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.