المشهورة المعروفة التي يثني عليها العلماء عليهم رحمة الله تعالى، فهو من باب قوة العبارة والأدب العالي الرفيع الذي يذكر أدب الجاهليين ومن جاء في صدر الإسلام لما فيه من معانٍ قوية وجميلة، لكنه صاحبه قد ملأه بالمجون والحكايات الباطلة التي يستحي الإنسان من ذكرها، وقد صنف أحد العلماء الهنود كتابًا سماه (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني) ، ذكر فيه ما يذم عليه في كتابه، وما وضعه فيه من لوثة بالألفاظ والحكايات والمعاني.
قوله: (وقل الفصل) أي: اختصر في القول، ومن المعلوم أن الإنسان كلما زاد في التفصيل وأكثر في الكلام وقع في الخطأ، وكلما اختصر في قوله قل خطأه وأصاب، وينبغي على الإنسان أن يختصر في قوله، وألا يسهب، فإن كثرة الكلام تدل على ورود الخطأ فيه، ومما ينسب لعلي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى- ولا أعلم له إسنادًا عنه- قال: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.
أما الإسهاب في إيصال المعنى أو العبارة للمتلقي، أو الحديث بأمر ليس بمختصر، فيختصره الإنسان في عبارات يسيرة، فهذا مما هو مذموم؛ لأنه يوقع الإنسان في الخطأ.
وقوله: (وجانب من هزل) أي: ابتعد عنه، وهذا ضرب من ضروب العزلة، أن يعتزل الإنسان من وقع في الهزل، ولم يكن أمره أمر جد، والغالب على أمر المؤمن القوي أن يكون عازمًا حازمًا صادقًا لا هازلًا، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان هازلًا قط، نعم قد يمزح، لكنه لا يمزح إلا بحق، ولا يمازح أحدًا من أصحابه إلا بصدق، أما كثرة الهزل فإن غلب على الإنسان فإنه يسقطه في أعين الناس.
... تذكر أيام الصبا
قال المصنف رحمه الله:
[ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل
إن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل]
قوله: (ودع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تتحدث بما مضى، ولا تلهيك عن يومك، فالإنسان ابن يومه، ويجب عليه أن يستغل يومه فيما ينفعه.
وفي الصبا تمر على الإنسان أيام جميلة وحلاوة ذكرى، مما يرغب في ذكره والإكثار من ذكره، حتى يشغل الإنسان عما ينفعه في يومه وغده، وذلك أن صاحب التذكر للأيام الماضية والإكثار من ذلك مذموم حتى عند