قال ابن قدامة رحمه الله:"فإن سافر لمعصية كالآبق، وقطع الطريق، والتجارة في الخمر، لم يقصر ولم يترخص بشيء من رخص السفر لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالمعاصي لما فيه من الإعانة عليها والدعاية إليها ولا يرد الشرع بذلك".
وذهب آخرون منهم أبو حنيفة رحمه الله وشيخ الإسلام وبه قال النووي والأوزاعي وغيرهم أنه لا يشترط الإباحة لجواز القصر بل يقصر وإن كان مسافرًا سفر معصية، وحجتهم في ذلك أن القصر ليس برخصة فإن صلاة ركعتين الظهر والعصر والعشاء بدلًا من أربعة ركعات ليست تحويلًا من الأربع إلى ركعتين، بل هما في الأصل ركعتان.
وقد بحثت في هذه المسألة وتحريت الصواب فيها، ولكنني لم أصل إلى ترجيح، فأنا أتوقف في هذا الحكم.
هذا الشرط اختلف فيه أهل العلم على قولين:
فذهب الأكثر منهم الحنابلة وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق إلى أنه ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته ويجعلها وراء ظهره. واستدلوا بقوله تعالى: [وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ] ، فقالوا: لا يكون ضاربًا في الأرض إلا إذا شرع في السفر.
وقال البعض: أن من نوى السفر يقصر ولو في بيته.
والصحيح ما ذهب إليه الأولون من أنه لا يقصر إلا إذا فارق عامر قريته فمتى ما شرع فيه وفارق محل الإقامة في الحضر أو البادية جاز له القصر، وهنا تعرض للإنسان بعض الأسئلة منها:
السؤال الأول: ما معنى مفارقته محل إقامته؟
الجواب: ليس المراد بها أن يغيب عن قريته لأنها ربما لا تغيب عن نظره إلا بعد مسافة طويلة، بل المراد بها المفارقة البدنية أي أن يتجاوز البيوت ولو بمقدار يسير.
السؤال الثاني: ما المراد بعامر القرية؟