جرت عادة العلماء رحمهم الله على اختيار الحروف التي سكنوا إليها من بين حروف القرآن الكريم التي رووها أو قرأوا بها على مشايخهم، فقد كان الواحد منهم ربما قرأ على أكثر من شيخ أو قرأ أكثر من حرف أو قراءة على شيخ واحد، فيعمد إلى اختيار حرف من بين مروياته، مجتهدا في اختياره، من دون إلغاء الحرف الآخر لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الخلف عن السلف.
ولذلك فإن العلماء لم يروا أي غضاضة في اختيار القارئ لحرفه ما دام متقنا للروايات ملما بها، مجتهدا فيها، وكانت موافقة للمصحف، وللغة العربية، وحظيت بالقبول لدى العامة كما أسلفنا.
يقول ابن الجزري:"وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به، فآثره على غيره، وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه ; فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد" [1] .
وقال القرطبي:"وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو"
(1) ابن الجزري، النشر، ج 1 ص 52.