الثاني: أن الهدف من نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف لا يقتصر على التيسير للأمة في القراءة بها، وإنما هنالك هدف آخر عملي، وهو أن كل قراءة ربما حملت معنى زائدا على القراءة الأخرى، وهذا سيؤدي بالطبع إلى إثراء المعنى وتوسيعه، وهنا تكمن غاية المفسرين ويقع مربط فرسهم، فهي ترجح الحكم المختلف فيه، وتجمع بين حكمين مختلفين، وتوضح ما يُتوهم غموضه، وغير ذلك مما يعد من مباحث المفسر الذي يهدف إلى تفسير كلام الله تعالى وتوضيح معانيه وبيان مقصد الله تعالى من الوحي المنزل بالأدوات المتيسرة لديه.
ونستطيع الجزم بأن كثرة تعامل المفسرين بالقراءات الشاذة إنما هو من هذا القبيل ولاستخراج هذا النفيس، وذلك بأنهم رأوا فيها تحقق قدر زائد من المعنى يمكن اللجوء إليه في توسيع معنى الآية أو توضيحه إلى غير ذلك من الجوانب التي سنتناولها بالتفصيل.
يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام [1] :"فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إلا بالإسناد والروايات التي يعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس، فإنما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين، وتكون دلائل على معرفة معانيه وعلم وجوهه، وذلك كقراءة حفصة وعائشة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ) [2] ، وكقراءة ابن مسعود: (وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ) [3] ، ومثل"
(1) القاسم بن سلام: هو القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء، الخراساني البغدادي، أبو عبيد، من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه. من أهل هراة. له: (فضائل القرآن) ، (الغريب المصنف) ، (المذكر والمؤنث) . توفي سنة 224 ه. انظر: الأعلام ج 5 ص 176.
(2) النحاس، أبو جعغر، معاني القرآن، تحقيق محمد علي الصابوني، ط 1 (مكة: نشر جامعة أم القرآ 1409 ه) ، ج 4 ص 535. و: إعراب القرآن، ج 1 ص 231. الطبري، جامع البيان، ج 4 ص 346.أبو حيان، المرجع السابق، ج 2 ص 175.
(3) الفراء، معاني القرآن، ج 1 ص 306. أبو حيان، المرجع السابق، ج 3 ص 382. الطبري، المرجع السابق، ج 7 ص 407.