إنها أقسمت ألا تكلم ابن أختها عبد الله بن الزبير عندما قال إنه يريد أن يحجر عليها. وهي العابدة الزاهدة العالمة بالسنة؟
والذي فعلته عائشة رضي الله عنها هو في اجتهادها من الهجر المباح؛ حيث إن هجر المسلم لا يجوز إلا إذا اقتضت المصلحة هجره، كهجر أصحاب المعاصي إذا خُشي من ضررهم، وكان الهجر نافعا في الحماية منهم، أو كان نافعا في تأديبهم. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بهجر الثلاثة الذين خُلِّفُوا في قصة غزوة تبوك.
وقد رأت عائشة رضي الله عنها أن ابن أختها قد ارتكب بما قال أمرا عظيما، وهو قوله:"لأحجرن عليها"، فإن فيه تنقيصا لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، ومثل هذا الانتقاص لا يقبله مسلم (من عموم المسلمين) على نفسه، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها رضي الله عنها أمًّا من أمهات المؤمنين، ولها على الأمة حقٌّ عظيم من التوقير والإجلال. وهي أيضا خالته أخت أمه؛ والخالة في مقام الأم، وهي كانت كذلك لعبد الله بن الزبير خاصة، حبًّا له وعنايةً به، حتى كانت تُكنى به، فيقال لها: أم عبد الله، فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع عقوقًا، وتجرؤا على حقها العظيم عليه، يُوجبُ تأديبه