وكذلك هذا المعطوف هنا لما كان (الصابئون) أبعد عن الهدى من اليهود والنصارى في حال الجاهلية قبل مجي الإسلام لأنهم التزموا عبادة الكواكب. وكانوا مع ذلك تحق لهم النجاة إن آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا. كان الإتيان بلفظهم مرفوعا تنبيها على ذلك. لكن كان الجري على الغالب يقتضي أن لا يؤتى بهذا المعطوف مرفوعا إلا بعد أن تستوفي (إن) خبرها , إنما كان الغالب في كلام العرب أن يؤتى بالاسم المقصود به هذا الحكم مؤخرا. فأما تقديمه كما في هذه الآية فقد يتراءى للناظر أنه ينافي المقصود الذي لأجله خولف حكم إعرابه , ولكن هذا أيضا استعمال عزيز , وهو أن يجمع بين مقتضى حالين , وهما الدلالة على غرابة المخبر عنه في هذا الحكم , والتنبيه على تعجيل الإعلام بهذا الخبر فإن الصابئون يكادون ييأسون من هذا الحكم أو ييأس منهم من يسمع الحكم على المسلمين واليهود. فنبه الكل على أن عفو الله عظيم لا يضيق عن شمولهم. فهذا موجب التقديم مع الرفع. ولو لم يقدم ما حصل ذلك الاعتبار , كما أنه لو لم يرفع لصار معطوفا على اسم (إن) فلم يكن عطفه عطف جملة على جملة.
والذي أراه أن ما ذهب إليه ابن عاشور أقوم مذهبا وأبين معنى وهو مؤيد بما ذهب إليه في الخزانة عند هذا البيت الذي ذكره