تخصصاتها ومتطلباتها وفي مقدمة ذلك يأتي البناء الداخلي للإنسان إذ هو المنطلق والأساس لأي أمر آخر يراد من هذا الإنسان
وأيضا فإن الأمرين الآخرين يمكن بسهولة ترجمة وتحويل مضمونهما بواسطة الأمر الأول بكل دقة وبكافة التفصيلات والمشاعر والأحاسيس والمؤثرات، فأي حدث مؤثر أو موقف معبر أو نموذج فذ فريد يمكن ترجمته بواسطة الكلمات فالله أعطى الإنسان لغة يترجم بها كل ما يريد ويحفظه لنفسه أو ينقله إلى الآخرين.
إن الكلام أو اللغة الحية تتحكم في مشاعر الإنسان وتديرها إلى أي جهة تراد، ألم تر أن إنسانا يستمع لمتكلم فيبكي وآخر يستمع لمتكلم فيضحك وثالث يتحمس وينشط وكله كلام لكنه كلام يختزن في حروفه آلاف الصور والمشاعر التي يتم نقلها عبر الأذن استماعا أو العين قراءة، وهذا التأثير هو الذي يمارسه الخطباء، وتمارسه أجهزة الإعلام.
إننا نرى في الواقع الأثر القوي الذي يحدثه المعلم أو الخطيب أو المحامي أو المستشار، فما الذي يفعله هؤلاء؟ وكيف يحدثون هذا الأثر؟ إنها الثروة اللغوية الحية التي تعبر عما في النفس وتصف الواقع بكل دقة وتجسده تجسيدا عميقا وتقف على أبعاد وخفايا الموضوع المطروح، تجد خطيبا يقف فيهز الجماهير ويلهب المشاعر والأحاسيس ويغير آراءها ومعتقداتها، بينما يقف خطيب آخر فلا يستطيع الوصول إلى ما وصل إليه الأول، ما الفرق ولماذا؟ [1] الفرق في الروح التي تسري من المتكلم إلى المستمع فتبعث في كلماته الحياة ومن أجل ذلك كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن تحدث الأثر العظيم حتى في نفوس
(1) يتردد في أوساط الدورات نظرية نقلها البعض من الغرب مفادها: أنه في كل اتصال فإن نسبة أثر الكلمات: سبعة بالمائة، ونبرة الصوت: ثمان وثلاثين بالمائة، ولغة الجسد: خمس وخمسين بالمائة وهذا غير صحيح بل مدار الأمر على حياة الكلمات في نفس المتحدث، وحياة الكلمات هي التي تصنع نبرة الصوت وهي التي تصنع لغة الجسد، أما من يتكلف نبرة الصوت ولغة الجسد دون حياة الكلمات فلن يجد من الجمهور إنصاتا وقبولا مهما فعل