كما أحسب أنه لا يخفى على من لديه شيء من العلم، أن أفضل طريقة وأسلم منهج عرفه التاريخ في العلمية والموضوعية، ونقد الرجال (الجرح والتعديل ودراسة الأسانيد) ، وتمييز النصوص والنقول والمقالات - رواية ودراية - أنه منهج أهل الحديث، السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، وأن الله حفظ للأمة دينها وعقيدتها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم بهذا المنهج الفريد وأهله.
ثم مما يؤكد بُعد هؤلاء المدعين للمنهجية والموضوعية والبحث العلمي عن ذلك كله، تطاولهم على ما لم يكن من اختصاصهم وهو العلوم الشرعية؛ السنة والعقيدة والحديث وعلومه والرجال ونحوها التي هي من اختصاص الراسخين في العلم، ولذلك نجدهم يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين: (( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) ) [1] .
ولو أن هؤلاء المفتونين ردُّوا ما اشتبه عليهم علمه في الأمور التي أثاروها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى الراسخين في العلم الذين يستنبطون، ويعلمونهم ما جهلوه ويبينون لهم ما خفي عليهم، ويحلّون ما أعضل وأشكل لما وقعوا في هذه التورطات والمجازفات، كما أمر الله بذلك أسلافهم بقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء:83) ، وقوله سبحانه لعموم الأمة َاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون} (الأنبياء: من الآية7)
وقد وجدت أحسن وصف شخص مناهج هؤلاء وأمثالهم من أهل البدع والأهواء وأصولهم: ما قاله الإمام أحمد الخبير بعوارهم، وسأسوق عباراته مع شرحها قال [2] :
[ (عقدوا ألوية البدع) أي رفعوا رايات الأهواء والبدع فالابتداع قاسم مشترك بين جميع الأهواء والافتراق.
(وأطلقوا عقال الفتنة) ، وأعظمها الفتنة في الدين ومفارقة السنة.
(فهم مختلفون في الكتاب) ، يعني كتاب الله تعالى وما جاء به رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
(مخالفون للكتاب) . أي القرآن والسنة.
(1) - البخاري (5219) ومسلم (2129) .
(2) 5 - الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد، ص (85) ، تحقيق: عميرة.