ثم لما كان في آخر عصر الصحابة، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك) [1]
والذين بقوا من الصحابة بعد ظهور الفرق لم يقع من أحد منهم افتراق، ولا بدع مخرجة عن السنة، بل كانوا إلبًا على الأهواء والبدع.
كذلك كان التابعون وتابعوهم وسائر السلف الصالح والحمد لله على توفيقه.
ويقول ابن القيم: (وقد تنازل الصحابة - رضي الله عنهم - في كثر من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الناس إيمانًا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال) [2] .
كذلك بدع التأويل للصفات والغيبيات الأخرى، لم تحدث في عهد الصحابة ولا منهم، فإن جميع ما في القرآن والسنة، من نصوص الصفات لم يحدث عن الصحابة تأويل لها على نحو ما فعل أهل الكلام، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه طالع التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث في أكثر من مائة تفسير، ولم يجد عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل ثبت عنهم ما يخالف كلام المتأولين مالا يحصيه إلا الله [3] .
وكل المسائل التي تنازع فيها الصحابة كانت من قبيل الاجتهادات والأحكام ولم تؤد إلى الفرقة ولا المنازعة بينهم.
ومع أن الفرق الأولى (الشيعة والخوارج ثم القدرية) نشأت في عهد الصحابة إلا أنهم كانوا خصومها كلهم، ولم يكن أحد منهم يتهم بشيء من الأهواء (حاشاهم) ومن زعم شيئًا من ذلك فقد افترى.
فالصحابة لم يحدث منهم افتراق ولا بدع، فلم يحدث من أحد منهم أن قال ببدعة أو فارق الجماعة، ولم يكن أحد منهم من أهل البدع المشهورة (كالخوارج والروافض
(1) - منهاج السنة، (6/ 231) .
(2) - إعلام الموقعين (1/ 71) .
(3) - انظر الفتاوى (6/ 394) .