والحق أن أهل الأهواء لا سيما منهم أهل الكلام أحق بوصف الحشوية؛ لأن من منهجهم المراء والجدال والخصومات وإكثارهم من الكلام وحشو العبارات، لذا فهم أحق باسم الحشوية، فإن سائر كلامهم حشو لا فائدة فيه، وكذلك مصنفاتهم ومناظراتهم يحشونها بالكلام الفارغ والظنون والأوهام.
أما الأحاديث والآثار فهي - والله - الزبدة والثمرة والخلاصة واللّب كما قال سبحانه: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} (الرعد: من الآية 17) لكنهم قوم يعدلون عن الحق.
فالسمة العمة لأهل الأهواء كراهية أهل الحديث، وهم أهل السنة والجماعة السلف الصالح.
قال الذهبي في ترجمة أحمد بن سنان: (قال جعفر: سمعت أبي أحمد بن سنان يقول: ليس في الدنيا مبتدع إلا ويبغض أصحاب الحديث، وإذا ابتدع الرجل بدعة نزعة نزع حلاوة الحديث من قلبه) [1] .
قال الأوزاعي: (ما ابتدع رجل إلا غل صدره على المسلمين) [2] . وقال: (كنا نتحدث أنه ما ابتدع أحد بدعة إلا سلب ورعه) [3] .
وقال الشاطبي بعد ذكر الخوارج مبينًا أن الابتداع يوجب الافتراق والعداوة عند المبتدعة: (ثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة ويذمونهم ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها. كما يروى عن عمرو بن عبيد أنه قال: لو شهد عندي على وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل ما أجزت شهادتهم ... هكذا! ... نعوذ بالله من الخذلان.
وعن معاذ بن معاذ قال: قلت لعمر بن عبيد: كيف حدَّث الحسن عن عثمان أنه ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها؟ فقال: إن فعل عثمان لم يكن سنة.
(1) - تذكر الحفاظ (2/ 521) .
(2) - تاريخ الإسلام (141 - 160/ 492) .
(3) - المرجع السابق.