فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 76

"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، و يقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام، و حسابهم على الله" [1] .

وهذا لا يعني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبال بالأمور الأخرى من الدعوة إلى الفضائل والأخلاق الحميدة من (البر والصلة والصدق والوفاء والأمانة) ، وترك ضدها من (الآثام والكبائر كالربا والظلم وقطيعة الرحم) .

وحاشاه ذلك، لكنه جعلها في مرتبة بعد أصول الاعتقاد، لأنه يعلم وهو القدوة - صلى الله عليه وسلم - أن الناس إذا استقاموا على دين الله وأخلصوا له الطاعة والعبادة حسنت نياتهم وأعمالهم، وفعلوا الخيرات واحتنبوا المنهيات في الجملة، وأمروا بالمعروف حتى يسود بينهم ويظهر، ونهوا عن المنكر حتى لا يظهر ولا يسود.

إذن فمدار الخير على صلاح العقيدة، فإذا صلحت استقام الناس على الحق والخير، وإذا فسدت فسدت أحوال الناس، واستحكمت فيهم الأهواء ةالآثام، وسهلت عليهم المنكرات.

وإلى هذا يشير الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" [2] .

فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإضافة إلى كونه دعا إلى إخلاص الدين لله، وقاتل الناس حتى يشهدوا بكلمة الإخلاص، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدعوا إلى جميع الأخلاق الفاضلة، جملة وتفصيلًا، وينهى عن ضدها، جملة وتفصيلًا.

وكما اهتم - صلى الله عليه وسلم - بإصلاح الدين، كان يعمل على إصلاح دنيا الناس، إنما كان ذلك كله في مرتبة دون الاهتمام بامر التوحيد وإخلاص الدين لله وحده، وهذا ما يجهله أو يتجاهله المنازع في هذه المسألة.

3 -إذا تأملنا القرآن الكريم، المنزل على رسول لله - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ومنهاجًا للمسلمين إلى يوم الدين، وجدنا أن أغلبه في تقرير العقيدة وتقرير أصولها، وتحرير العبادة والطاعة لله وحده لا شريك له، واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

فأن أول شيئ نزل به القرآن، وأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعله هو أن يكبّر الله تعالى ويعظمه وحده، وأن ينذر الناس من الشرك، وأن يتطهر من الآثام والذنوب وغيرها، ويهجر ما هم عليه من عبادة الأصنام، ويصبرعلى ذلك كله، قال الله تعالى:

{يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر* قُمْ فَأَنْذِر * ْوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر * ْوَالرُّجْزَ فَاهْجُر * ْوَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [سورة المدثر، الآية: 1 - 7] .

(1) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة، فتح الباري. الحديث 24 جـ 1/ 74. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. الحديث 22 جـ 2/ 53. إلا أن مسلمًا لم يذكر (إلا بحق الإسلام) .

(2) - جاء ذلك في حديث أخرجاه في الصحيحين. انظر: البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، الحديث 52، فتح الباري 1/ 126. وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، الحديث 1599 جـ 3، 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت