وأقل ما يقال فيه إنه كلام مبتدع لم يرد عن الله ولا عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فالكف عنه أسلم، والخوض فيه قول على الله بلا علم، مثل: الحدود، والغايات، والجهات، والماهية، والحركة، والحيز، والعرض، والجوهر، والحدوث، والقدم.
ودعوى قطعية العقل، وظنية النقل ... ومثل كلامهم في: التركيب والتبعيض، وقولهم عن الباري - سبحانه - لا داخل العالم ولا خارجه [1] ... إلخ، ومما ابتدعوه من الكلام عن الله - تعالى - نفيًا أو إثباتًا. وذلك انسياقًا مع التزامات المعتزلة والجهمية والفلاسفة العقلية الجدلية.
وكلامهم في هذه الأمور قد يشتمل على بعض الحق أحيانًا، لكن الله - تعالى - نهانا عنه، وأقل ما يُقال فيه أنه قول على الله بغير علم، والله - تعالى - يقول:
{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [سورة الإسراء، الآية: 36] .
ويقول: {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [سورة الأعراف، الآية: 180] .
فأهل السنة لا يتكلمون في هذه الأمور - على سبيل التأصيل و الإقرار والتقرير - إلا من باب الرد وإلزام الحجة وبقدر الحاجة، فمخالفة الأشاعرة لأهل السنة في هذا الباب (الصفات) ليست فرعية، إذ هي متعلقة بأصل من أعظم أصول الدين، وهو توحيد الصفات المتعلقة بالباري - سبحانه جل شأنه.
ومع ذلك يبقى الأشاعرة هم أقرب الفرق الكلامية إلى أهل السنة، لأن مقصدهم بالتأويل التنزيه، لكن على غير هدى ولا اقتداء، بل وقعوا فيما حذر منه أهل السنة من تحريم التأويل والجدل، وضرب الأمثال لله - تعالى -، ونحو ذلك مما ينافي وجوب التسليم بالنصوص الشرعية [2] .
2 -ومن الأصول التي خالف فيها الأشاعرة أهل السنة، تعويلهم على العقل والجدل وعلم الكلام (النظر) في صفات الله، ومسائل القدر والغيب، وتقديمهم العقل - ما يسمونه القواطع العقلية - على النقل (الكتاب والسنة) ، في أمور الغيب ومسائل الاعتقاد، بل في مسائل صفات الله - تعالى -.
فالقاعدة عندهم - كما قررها الرازي والجويني وغيرهما -(أن الدلائل النقلية لا تفيد
اليقين) [3] .
و (أن الدلائل النقلية ظنية، وأن العقلية قطعية، والظن لا يُعارض القطع) [4] . - سبحان الله -!!
3 -ومن أصولهم المخالفة لأهل السنة: تفسيرهم التوحيد بما يحصره في توحيد الربوبية، وغفلتهم عن توحيد الألوهية والعبادة لله - تعالى - وحده، مع أنه التوحيد الذي أرسلت به الرسل، قال الله - تعالى - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون ِ} [سورة الأنبياء: الآية: 25] .
وهو التوحيد الذي من أجله خلق الله الخق، قال - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، الآية: 56] .
لذلك نجد التلبس بالبدع في العبادات، والوقوع في بعض الشركيات كثيرة فيمن ينتسبون إلى الأشاعرة المتأخرين، لتساهلهم في توحيد العبادة.
وهذا لا يعني أن أهل السنة يستهينون بأمر توحيد الربوبية ... كلا والله!، لكنهم يبدأون بما بدأ الله به، وما بدأ به رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن توحيد الربوبية فطري، لا يكاد ينكر بالكلية إلا نادرًا، وغالب الآيات التي جاءت في تقريره جاءت في سياق الإلزام بتوحيد العبادة والطاعة، لذلك لا يعرف أن أمة من الأمم أنكرت توحيد الربوبية، بل لا توجد طائفة أجمعت على هذا الأمر على الحقيقة، ولو حصل هذا لذكره الله - تعالى - في قصص الأنبياء.
وبعكسه توحيد الألوهية، فهو الذي ضلت فيه الأمم والفرق والطوائف حتى اليوم.
لذا نجد أن نظّار الأشاعرة وأئمتهم يبدأون مؤلفاتهم في الاعتقاد بالعقليات والنظريات، والتصديقات والتصورات، والمصطلحات الكلامية والفلسفية، وأن الدلائل النقلية (السمعية) لا تفيد اليقين، وأن العقليات قطعية يقينية، ثم حدوث العالم وإثبات الصانع و
غير ذلك من الفلسفة وعلم الكلام، وينتهون في ذلك إلى تقرير توحيد الربوبية [5] ، و هذا خلاف ما درج عليه أهل السنة، بل خلاف منهج القرآن الكريم، فالآيات التي جاءت لتقرير توحيد الربوبية قليلة بإزاء الآيات التي جاءت لتقرير توحيد العبادة والطاعة، ثم إن كثيرًا من الآيات في توحيد الربوبية جاءت لتقرير عبادة الله وحده كما أسلفت.
4 -كما أنهم خالفوا أهل السنة في أصول أخرى، مثل: قولهم في القرآن وكلام الله [6] ،
والإيمان [7] ، والقدر [8] ، والنبوات [9] ، حيث تأثروا بالأصول الكلامية والفلسفية في نظرتهم لهذه الأمور، فجاءت عقيدتهم فيها خليطًا من الحق والباطل بين أهل السنة
(1) - انظر: الاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي، ص 12 - 135.
(2) - ورد عن أكابر الأئمة مثل: الإمام أحمد، وابن المديني، والأوزاعي، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم كثير، فقد حذروا من الجدل والتأويل وعلم الكلام. أنظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم اللالكائي، تحقيق:
د. أحمد سعد حمدان، ج 1 - ص 151 - 186.
(3) - راجع: كتاب"أصول الدين"لفخر الدين الرازي - ص 24. وكتاب"الإرشاد"للجويني، ص 25 - 37.
(4) - أصول الدين، للرازي ص 24.
(5) - انظر على سبيل المثال: أول كتاب التمهيد، للبقلاني. وأول كتاب الإنصاف للبقلاني - أيضًا. وأصول الدين للفخر الرازي - أوله. وأول كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي. وأول أصول الدين، للبغدادي. وأول الإرشاد للجويني. وأول كتاب الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، للبيهقي، وغيرها من الكتب المعتمدة لدى الأشاعرة، فإنها تبدأ بالنظر والعقليات وعلم الكلام، وتقرير القواعد العقلية والفلسفية، ولا تكاد تذكر توحيد العبادة والقصد إلا نادرًا، مع حاجة الأمة إليه قديمًا وحديثًا.
(6) - انظر: الإنصاف - للباقلاني، ص 62 - 126. وأصول الدين، للرازي، ص 63 - 67. وكتاب الأربعين في أصول الدين، للغزالي، ص 27 - 28.
(7) - أنظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص 100 - 155. والإنصاف، للبقلاني، ص 55. والاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي، ... ص 89 - 90. والتمهيد، للبقلاني، ص 146 - 147.
(8) - انظر: الإنصاف، للبقلاني، ص 39 - 44. وكتاب الأربعين في أصول الدين، للغزالي، ص 16 - 27.
(9) - انظر: النبوات، لابن تيمية، ص 100 - 102. وأصول الدين، للرازي، ص 91 - 105. والاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي، 165 - 179.