فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 76

فالعالم من الأشاعرة كلما زاد علمه في السنة والحديث والأثر وجدناه في الاعتقاد إلى أهل السنة أقرب - في الغالب -.

وأمر آخر تجدر الإشارة إليه هنا، وفيه البرهان الأقوى على أن الأشاعرة جانبوا أهل السنة في بعض مسائل الاعتقاد الكبرى، وعلى أنهم عند التحقيق والتروّي والتجرد يرجعون عن مقولاتهم إلى عقيدة أهل السنة، وهذا البرهان: هو رجوع كثير من أئمتهم ونظارهم الكبار إلى عقيدة السلف، والتسليم بها في آخر الأمر، أو آخر العمر، كما حصل من الإمام أبي الحسن الأشعري نفسه، حينما استقر على عقيدة السلف في (الإبانة) [1] ، وكما حصل من أبي المعالي الجويني، وأبي محمد الجويني، والرازي، والشهرستاني، والغزالي، وابن العربي، وغيرهم [2] . فمنهم من رجع إلى قول أهل السنة، وترك علم الكلام، وبين ذلك من خلال كتابة ما استقر عليه اعتقاده، ومنهم من أعلن تسليمه لعقيدة أهل السنة على الإطلاق قبيل الوفاة، ولم يتمكن من الكتابة [3] .

وأختم قولي في هذا الفصل:

أنه ظهر لي أن أشاعرة اليوم (المعاصرين) بعدوا عن أهل السنة أكثر من أسلافهم لقلة فقههم بعقيدة السلف، ولما تلبسوا به من الفلسفة وعلم الكلام والبدع والخرافات، والانضواء - من الكثير منهم - تحت الطرق الصوفية ونحوها [4] . هداهم الله، وبصّرنا وإياهم بالحق والصراط المستقيم.

كما تجدر الإشارة إلى أن ما ذكرته من مفارقة الأشاعرة لأهل السنة في بعض أصول الاعتقاد لا يعني أني أرى تكفيرهم ولا تضليلهم، بل لم أتعرض لهذا الأمر، وأرى أنه جد خطير، ويحتاج إلى تفصيل ليس هذا مقامه.

(1) - انظر: كتابه"الإبانة عن أصول الديانة".

(2) - انظر: (خصائص العقيدة الإسلامية) من هذا البحث.

(3) - انظر: شرح الطحاوية، ص 150 - 153.

(4) - وهذا بخلاف ما كان عليه الأشاعرة القدامى، فإنهم كانوا إلى السنة أقرب، ولم تتأصل فيهم الصوفية، والفلسفية والجدل، وكانوا أهل سنة في أعمالهم وعباداتهم. أما المتأخرون من الأشاعرة المعاصرين فأغلبهم من أنصار الطرق، وأصحاب بدع في الاعتقادات والعبادات. وهذا منشؤه التساهل في أمر توحيد العبادة في أصول الأشاعرة - كما بينت - فيما سبق في هذا المبحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت