أما من فعل المحرم، ولم يكن ناويًا لفعل المحرم، فإنه لا يستحق العقوبة، بل يعتبر فعله خطأ، والخطأ لا تؤاخذ به الشريعة، كما قال -جل وعلا:- {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [1] قال الله - كما في صحيح مسلم-:"قد فعلت"في الرواية الأخرى:"قال الله: نعم"ويدل على ذلك قوله -جل وعلا-: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ} [2] .
ولا بد أن يفرق في لفظ الخطأ بين معنيين، فإن الخطأ يطلق على خلاف الصواب، ويطلق على خلاف الطاعة؛ ولذلك المخطئ يراد به من لم يصب، والخاطئ يراد به العاصي، فيفرق بين هذين الاصطلاحين، فإن لفظ الخطأ يطلق على الأمرين معا، وقد ضلت بعض الطوائف بسبب عدم التفريق بين هذين الأمرين.
وإذا تقرر ذلك فإن العبد قد يفعل الأمر المباح ناويا به المحرم، مثال ذلك: من أراد أن يزني، وفعل الأسباب في ذلك، فصادف امرأته يظنها أجنبية فواقعها، فهذا فعل فعلا مباحا ونيته أن يفعل الفعل المحرم، فيقال: يستحق إثم الفعل المحرم، لكنه لا يستحق النتائج المترتبة على الفعل المحرم؛ فإن الإثم المرتب على الفعل المحرم نوعان:
إثم على ذات الفعل، وإثم على النتائج والآثار المترتبة على الفعل: من زنا بأجنبية، فإنه حينئذ قد ترتب على ذلك آثار، منها: إدخال الولد الأجنبي على غير والده، ومنها إفساد المرأة على زوجها ... إلى غير ذلك من الآثار.
فالعبد يعاقب بالفعل ذاته، ويعاقب بآثار الفعل، لكن مَن فعَلَ المباح يظنه محرما فإنه لا يستحق إلا إثم الفعل دون إثم الآثار المترتبة عليه، وهذا يدلنا على أن وسائل الأحكام معتبرة، وأن لها أثرا في تغيير الأحكام، ولعل المؤلف يعقد قاعدة في أحكام الوسائل والمقاصد.
إذا تقرر ذلك فإن النية لها أثر في الألفاظ كما أن لها أثرا في الأعمال، فإن ألفاظ المكلف على نوعين:
(1) - سورة البقرة آية: 286.
(2) - سورة الأحزاب آية: 5.