نقول: الأصل في العبادات: التوقيف، والرجوع إلى حال النبي - والمتابعة له في ذلك، ولم يرد عن النبي - أنه تلفظ بشيء من نواياه في العبادات، لم يقل: اللهم إني نويت أن أصلي لك الصلاة الفلانية، فحينئذ يكون من جهر بالنية، وتلفظ بها مخالفا لهدي النبي -.
مما يتعلق بذلك أن بعض العلماء ذكروا أنه يشرع التلفظ بالنية في أمرين:
الأمر الأول: في نسك الحج؛ لأن النبي - قال فيه:"لبيك اللهم عمرة"وقال:"لبيك اللهم حجة"قال:"عمرة في حجة".
والأمر الثاني: النسك ذبح الهدي، وذبح الذبائح، فإن بعض العلماء ذكروا أنه يتلفظ بالنية في ذلك؛ وذلك أن الذابح يقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك.
والذي يظهر أن هذه الأفعال، وهذه الأقوال ليست تلفظا بالنية، بل هي نسك، وذكر وارد في أول العبادة، وليس تلفظا بالنية، كما أننا نبتدئ الصلاة بقولنا: الله أكبر، وهذا ذكر مشروع في أول الصلاة، وليس تلفظا بالنية، كذلك الأمر في نسك الحج، وفي الذبائح، ولذلك لا يشرع للإنسان أن يقول في بدء المناسك: اللهم إني نويت حج القران، أو التمتع، أو الإفراد؛ لأن هذا مخالف لهدي النبي -.
كذلك لا يشرع له أن يقول: اللهم إني نويت أن أذبح الذبيحة الفلانية، وهذا هو التلفظ بالنية، فدلنا ذلك على أن التلفظ بالنية في جميع الأعمال ليس مشروعا، بل هو مخالف لهدي النبي - إذا تقرر ذلك، فإن النية تدخل في الواجبات والمستحبات بلا إشكال؛ لأنه بالنية تميز العبادات، فلا تكون أفعال المكلف التي طلبها الشارع على وجه الاستحباب، أو وجه الوجوب عبادة إلا إذا نوى بها العبد موافقة أمر الله وطاعته سبحانه.
وكذلك تدخل النية في مباحث الأحكام المباحة، فالمباحات تدخلها النية، بل تقلب أعمالها من كونها أمورا مباحة إلى كونها أمورا مستحبة، ولذلك من نام ينوي بنومه التقوي على طاعة الله كان نومه مما يستحق به الأجر والثواب، ومن تناول الطعام من أجل أن يتقوى به على أداء الصلوات، وأداء الفرائض كان ذلك من الأمور المشروعة التي يستحق بها العبد الأجر والثواب، مما يدل على أن النية تؤثر في الأعمال وتقلبها، بل إن النية تدخل في المحرمات، فإن من فعل المحرم ناويا له استحق العقوبة.