تضمن هذا البيت أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، المراد بالدِّين: الشريعة، مأخوذ من الفعل دان بمعنى: أطاع فمن دان لغيره، وأطاعه فإنه قد سلم الدين له، ولما كان أهل الإيمان يطيعون الله - عز وجل - سميت شريعة الله الدين، قال -سبحانه-: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [1] فقوله هنا مبني على المصالح يعني: أن الشريعة راعت في وضع أحكامها المصالح، المراد بالمصالح: واحدتها المصلحة، وهي المنفعة.
وليست المنفعة والمصلحة عايدة لله - تعالى- فهو سبحانه الغني كما قال -جل وعلا-: {* يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [2] فهو- سبحانه- غني، إنما المصلحة عائدة إلى الخلق، وليس المراد بذلك موافقة الأهواء والرغبات التي ترغبها النفوس؛ فإن ذلك مخالف لمعنى الدين والطاعة.
فالطاعة مبنية على الالتزام بأوامر الله؛ لذلك جاءت الشريعة بالنهي عن اتباع الهوى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [3] فلاتباع الهوى مضار عديدة وشرور وخيمة، ليست المصلحة أبدا في اتباع الهوى.
إذا تقرر ذلك فما هو المصدر الذي نحكم من خلاله أن هذا الفعل مصلحة أو مفسدة للناس؟
في ذلك مناهج متعددة: المعتزلة يقولون: إن الأفعال تعرف مَصلحِيَّتها للعباد ومفسدتها من خلال العقول؛ ولذلك هم أهل التحسين والتقبيح العقلي.
والأشاعرة يقولون: إن مصدر الحسن والقبح هو الشارع، ووصف الفعل بالحسن والقبح وصف نسبي يختلف بالنسب والإضافة: الكذب ليس قبيحا في ذاته، وإنما بحسب ما يضاف إليه، وهذا الكلام خاطئ عقلا وشرعا، فكل الناس يعرفون أن الكذب قبيح، وأن الصدق حسن؛ ولذلك فإن الأفعال القبيحة أثبت
(1) - سورة آل عمران آية: 19.
(2) - سورة فاطر آية: 15.
(3) - سورة ص آية: 26.