فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 130

الشارع كونها قبيحة على العباد قبل وجود الرسل، وإنما عاقبهم بعد بعثة الرسل، وقال- جل وعلا- في وصف النبي - {يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [1] .

فلو كان على قول الأشاعرة بأن مصدر الحسن والقبح هو الشارع لكان معنى الآية يأمرهم بما يأمرهم به؛ لأن المعروف إنما يعرف من قبل الشارع، والصواب في هذه المسألة: أن للأفعال صفات ذاتية تثبت حسنها وقبحها، ولو لم يوجد عقل أو شرع، فالصدق حسن قبل ورود الشرائع، وقبل معرفة العقول لحسنه، ولكن العقاب إنما يترتب على الأفعال بعد ورود الشريعة؛ لقوله- عز وجل-: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [2] .

وقد انتشر اليوم بين كثير من الكتاب المحدثين أن مصدر الحسن والقبح هو المجتمع، وهذا آت من المناهج العلمانية؛ ولذلك فإن الفعل يكون في زمان حسنا، وفي زمان آخر يكون قبيحا، وهذا منهج خاطئ مخالف للعقل ومخالف للشرع، فالصواب أن للأفعال صفات ذاتية تثبت حسنها وقبحها، وأن العقوبة تكون على الفعل بعد ورود الشرع.

وأما الثواب فقد اختلف أهل السنة فيه: فمنهم من يثبت الثواب على الأفعال قبل ورود الشرائع، ومنهم من ينفيه، ولعل في الحديث الوارد في ذلك:"أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من خير"دليل على اعتبار الثواب على الأفعال، ولو قبل ورود الشرائع.

وهذه القاعدة: قاعدة بناء أحكام الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد يدل عليها أدلة عديدة، منها: قوله - سبحانه-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [3] فمقتضى كون هذه الشريعة الرحمة أن تكون جالبة للمصلحة دافعة للمفسدة، وقال -جلَّ وعلا-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [4] فإكمال النعمة بإتمام هذا الدين، وتمام النعمة وإكمالها يكون بكون هذا الدين جالبًا للمصالح، دافعا للمفاسد.

وفي تعاليل الأحكام نجد أن الشريعة عللت كثيرا من أحكامها بمصالح الخلق كما قال - جل وعلا-: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [5] فقوله: حياة هذا تعليل لهذا الحكم وهو القصاص لمصلحة الخلق، وفي استقراء أحكام الشريعة دليل قاطع على كون هذه الشريعة مصلحة للخلق.

ولأهمية هذه القاعدة اعتنى العلماء بها، بل قد أخرجها الإمام العز بن عبد السلام بِمُؤَلَّفٍ كامل وجعل أحكام الشريعة كلها تدور على هذه القاعدة، وإذا تأمل الإنسان أحكام الشريعة وجد أن المصلحة فيها على أنواع: فمرات تكون المصلحة متحتمة واجبة مثل: الصلوات المفروضة، ومرات تكون المصلحة مستحبة مندوبة مثل: الصلوات النوافل، ومرات تكون المصلحة يراد وجودها في المجتمع ولو لم يفعلها جميع أفراد المجتمع مثل: صلاة الجنازة، تغسيل الميت، ومرات يراد بالمصلحة أن تتحقق من جميع الأفراد.

وهذه المصالح منها مصالح معتبرة للشارع نص على حكمها، والعلماء يقسمون المصالح إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: مصالح معتبرة، وهي التي شهد لها الشارع بالاعتبار سواء كان ذلك بطريق الشرع بطريق الكتاب، أو بطريق السنة، أو بالإجماع، أو بالقياس.

والنوع الثاني: قالوا مصالح ملغاة، وهي المصادمة لنص شرعي، ومثلوا لها بمن لا يرتدع عن التحفظ في يمينه إلا بالصيام، لا يردعه الإطعام، ولا يردعه الكسوة، فلو قال قائل بأن هذا الشخص نوجب عليه صيام ثلاثة أيام؛ لأنه لا يرتدع عن التحفظ في يمينه إلا بالصيام لكانت هذه مصلحة ملغاة في الشرع؛ لأن الشريعة جاءت بأن الحانث في يمينه يطعم أو يكسو أو يعتق، فإذا لم يجد انتقل للصيام.

(1) - سورة الأعراف آية: 157.

(2) - سورة الإسراء آية: 15.

(3) - سورة الأنبياء آية: 107.

(4) - سورة المائدة آية: 3.

(5) - سورة البقرة آية: 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت