هذه قاعدة تزاحم المصالح، والمراد بهذه القاعدة: إذا لم يتمكن العبد من فعل إحدى المصلحتين إلا بتفويت الأخرى فماذا يعمل؟ حينئذ ذكر المؤلف بأنه يُرجِّحُ بين المصالح فيفعل المصلحة العظمى، ولو كان في سبيل ذلك ترك للمصلحة الأقل، وهذه قاعدة في الشريعة مقررة بعدد من الآيات والأحاديث منها قول الله - عز وجل - {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [1] ومنها قوله -جل وعلا-: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [2] وأحسنه يرجع إلى القول، فإذا تزاحمت المصالح التي يكون فيها تحقيق لأحكام من أحكام الشريعة، فإننا نتبع الأحسن.
وباب سدِّ الذرائع مقرر على هذه القاعدة، وقد بنى الفقهاء باب الترجيح في كتبهم الأصولية للنظر فيما هو الأعلى من المصالح وما هو الأقل والأدنى، فمثلا: إذا نظرنا في الأفعال نجد أن بعضها يتعدى نفعه إلى الغير وبعضه يقتصر على الفاعل، ولا شك أن الفعل المتعدي نفعه إلى الغير أولى من الفعل القاصر؛ ولذلك فإن تعليم العلم أفضل من صلاة النافلة؛ لكون النفع هنا متعديا إلى الغير، ولذلك الفعل الواجب أولى من الفعل المستحب المسنون كما ورد في الحديث عند البخاري:"ما تقرَّب العباد إليَّ بمثل ما افترضتُ عليهم".
ومن هنا فمن دخل المسجد والصلاة الفريضة قد أقيمت، قدَّم الفريضة على تحية المسجد وعلى النافلة - نافلة الفجر ونحوها من النوافل ..
ومن القواعد الترجيح بين المصالح: إنهم قالوا: إن المصلحة الخاصة مقدمة على المصلحة العامة في محل الخصوص، ويعمل بالمصلحة العامة فيما عداه. يمثلون لذلك بقراءة القرآن، قالوا: هذا فيه مصلحة، فهو أفضل الذكر، ولكن في المحال الخاصة يقدم عليها الذكر الخاص، مثل: أذكار الصلوات، وأذكار بعد الصلوات، وأذكار الصباح، والمساء، فهذه يقدَّم فيها الذكر الخاص في محل الخصوص.
(1) - سورة الزمر آية: 55.
(2) - سورة الزمر آية: 17 - 18.