فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 130

وتبقى المصلحة العامة مقدمة في غير محل الخصوص، ومن ذلك قولهم -أيضا-: إن الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بظرفها، سواء الظرف الزماني أو المكاني، ويمثلون لذلك بفروع عديدة، منها في باب الطواف، قالوا: الرَّمَلُ في طواف القدوم مستحب متعلق بذات العبادة بذات الطواف، والقرب من البيت مستحب متعلق بمكان العبادة، فإذا لم يتمكن من الرَّمَل إلا بالابْتِعَاد عن البيت، فحينئذ يقدم الفضيلة المتعلقة بذات العبادة على الفضيلة المتعلقة بمكانها.

وقواعد الترجيح بين المصالح عديدة، وقد تتعارض بأن يوجد في أحد الفعلين عدد من المصالح، وفي الآخر كذلك عدد من المصالح الراجحة، فحينئذ يحتاج إلى باب الترجيح، وباب الترجيح معمول به في الشريعة.

إذا تقرر ذلك، فإن المصالح منها ما هو ضروري لو فُقِدَ لأدّى فقده إلى فوات حياة أو فوات السعادة في الآخرة، مثل: مصلحة الدين ومصلحة النفس، فهذه مقدمة على المصالح الحاجية، والمراد بالمصالح الحاجية: التي إذا قُدِّر فقدها أدَّى ذلك إلى الضيق والحرج، مثل: الرُّخص الشرعية، ومثل عقود المعاملات.

والمصالح الحاجية مقدمة على المصالح التحسينية، والمراد بالمصالح التحسينية هي التي يؤدي فقدها إلى مخالفة ما فُطِرت عليه النفوس من أحسن المناهج، ففقد المصالح التحسينية يؤ دي إلى أمرٍ مما تأباه النفوس والعقول الراجحة، وإن كان لا يؤدي إلى ضيق ولا حرج، ومثال ذلك إزالة النجاسات، فهذا مُرَاعًا من أجل أمر تحسيني، فإذا تعارضت مصلحة حاجية ومصلحة تحسينية قدّمت المصلحة الحاجية.

والمصالح الضرورية تنقسم -أيضا- إلى أقسام عدة: فضرورة الدين مقدمة على ضرورة النفس، وضرورة النفس مقدمة على ضرورة المال؛ لذلك ورد في الأثر عن جندب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا عارضك بلاءٌ فقدِّم مالك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء فقدِّم نفسك دون دينك.

وكذلك من المصالح ما يُقطع بكونه مصلحة، ويقطع بأن الشريعة قد دلت عليه، ومنها ما هو ظني، ولا شك أن المصالح القطعية مقدمة على الظنية، بل إن القطع والظن على مراتب متفاوتة، فليس القطع على مرتبة واحدة، وليس الظن على مرتبة واحدة، بل هو على مراتب متعددة، وتختلف هذه المراتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت